بعد مسيرة أكاديمية وبحثية امتدت إلى كبرى الجامعات العالمية، يعلن أستاذ العلاقات الدولية مغادرة العمل العام والكتابة والدراسات، برسالة مثقلة بالمرارة عن التفوق والكراهية ومعنى أن يترك الإنسان أثرًا.

في لحظة تختلط فيها مراجعة العمر بمرارة التجربة، اختار المفكر والأكاديمي الدكتور فواز جرجس أن يعلن، عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، مغادرته مسرح العمل العام والعلم والدراسات «إلى غير رجعة»، في منشور حمل نبرة وداع واضحة، وفتح الباب أمام تساؤلات بشأن ما يدفع صاحب تجربة فكرية وأكاديمية ممتدة إلى اتخاذ قرار بالابتعاد.

لم تكن كلمات جرجس مجرد إعلان عن التوقف، بل بدت أقرب إلى محاولة لكتابة فصل أخير من تجربته، يستعيد فيه علاقته بالعلم والنجاح والمواجهة، ويتحدث عن الأثمان النفسية التي قد تصاحب مسيرة الإنسان، حتى عندما يمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على التعبير.

وفي قلب رسالته، وضع جرجس مفهوم التفوق، معتبرًا أنه قد يتحول، في نظر بعض المحيطين بصاحبه، من إنجاز يستحق التقدير إلى مصدر للاستفزاز والعداء. وكتب: «التفوق ليس مجرد إنجاز شخصي بل هو استفزاز مستمر لعقليات عاجزة عن بلوغه»، قبل أن يربط بين هذا الشعور وما وصفه بمحاولات الهدم والتشويه.

وبينما لم يسمِّ أشخاصًا بعينهم، أو يقدم تفاصيل محددة عن الوقائع التي دفعته إلى هذه الخلاصة، فإن نبرة المنشور تعكس إحساسًا بالإنهاك من المواجهات الفكرية والثقافية، وهو ما ظهر بصورة أكثر وضوحًا عندما انتقل من الحديث عن الآخرين إلى الحديث عن نفسه، وعن التقدم في العمر وتراجع القدرة على مواصلة الصراع.

من قاعات الجامعات إلى قضايا الشرق الأوسط

بعيدًا عن رسالة الوداع، يمتلك فواز جرجس مسيرة أكاديمية دولية جعلته أحد الأسماء المعروفة في مجال العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط. فهو أستاذ للعلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، ويحمل درجة الدكتوراه من جامعة أكسفورد، ودرجة الماجستير من كلية لندن للاقتصاد، كما سبق له التدريس في جامعات أكسفورد وهارفارد وكولومبيا، والعمل البحثي في جامعة برينستون..

وتولى جرجس إدارة مركز الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد عند تأسيسه، خلال الفترة من 2010 إلى 2013، كما شغل كرسيًا أكاديميًا لدراسات الشرق الأوسط والشؤون الدولية في كلية سارة لورانس بالولايات المتحدة..

هذه المحطات لا تمثل مجرد أسماء لمؤسسات علمية مرموقة في سيرته، بل تكشف عن مسار بحثي اتجه إلى دراسة واحدة من أكثر مناطق العالم تعقيدًا، حيث تتشابك السياسة بالدين، وتتصادم المصالح الدولية مع التحولات الاجتماعية، وتظل أسئلة الدولة والهوية والحركات السياسية حاضرة في تفسير ما يجري.

الإسلام السياسي والحركات المتطرفة في قلب مشروعه الفكري

تركز اهتمام جرجس البحثي على الإسلام السياسي، والحركات الإسلامية، والعلاقات بين الشرق الأوسط والقوى الكبرى، والصراع العربي الإسرائيلي، والسياسة الخارجية الأمريكية تجاه العالم الإسلامي، إلى جانب دراسة الجماعات الجهادية والتحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة.

ومن أبرز كتبه «العدو القاصي: لماذا أصبح الجهاد عالميًا؟»، الصادر عام 2005، و«رحلة الجهادي: من داخل الحركات الإسلامية المسلحة»، الصادر عام 2007، و«صعود القاعدة وسقوطها»، الذي صدر عام 2011، و«تنظيم الدولة الإسلامية: تاريخ»، الصادر عام 2016..

وفي كتابه «صناعة العالم العربي: ناصر وقطب والصراع الذي شكّل الشرق الأوسط»، الصادر عام 2018، تناول أحد الانقسامات الفكرية والسياسية التي تركت أثرًا عميقًا في المنطقة، من خلال دراسة العلاقة بين المشروع القومي العربي والتيار الإسلامي.

كما واصل الاشتباك مع أسئلة الديمقراطية والحرية ومستقبل المنطقة في كتابيه «ما الذي حدث بالفعل؟ إخفاق الغرب والديمقراطية في الشرق الأوسط»، الصادر عام 2024، و«الخيانة الكبرى: الصراع من أجل الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط»، الصادر عام 2025..

ولم تقتصر تجربته على البحث المكتبي؛ إذ أجرى دراسات ميدانية ومقابلات مع مئات من قادة المجتمع المدني والناشطين وأعضاء التيارات الإسلامية، كما نُشرت مقالاته في صحف ومجلات دولية بارزة، وشارك في برامج إعلامية عالمية محللًا لشؤون الشرق الأوسط والسياسة الدولية.

رسالة أخيرة عن الكرامة والخذلان

في منشوره الأخير، استدعى جرجس أفكار الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، محاولًا تفسير تحول الشعور بالنقص، بحسب رؤيته، إلى حقد تجاه الناجحين، وكتب أن الكاره الحقيقي ليس بالضرورة من أسأت إليه، بل قد يكون من ذكّره وجودك بما يعجز عن تحقيقه.

ثم وجه رسالة مباشرة إلى من يخوضون مثل هذه المواجهات، داعيًا إلى عدم استنزاف النفس في محاولة إرضاء الآخرين أو تبرير النجاح أمامهم، معتبرًا أن الاستمرار في العمل قد يكون الرد الأكثر تعبيرًا.

لكن النبرة الأكثر خصوصية في الرسالة ظهرت عندما قال: «أما نحن فقد شاخت أجسادنا ونفوسنا ولم نعد قادرين على عبء المواجهة الفكرية والعلمية والثقافية».

هنا يتغير مسار الكلمات؛ فبعد حديث مطول عن التفوق والعداء، يصبح العمر نفسه حاضرًا في المشهد، لا بوصفه رقمًا، بل باعتباره تجربة متراكمة لها أعباؤها وحدودها. ويبدو أن صاحب الرسالة يريد أن يقول إن الاستمرار في المواجهة ليس واجبًا أبديًا، وإن للإنسان حقًا في مراجعة رحلته واختيار اللحظة التي يبتعد فيها.

ومع ذلك، لا تكشف الرسالة وحدها جميع الظروف التي أحاطت بقراره، ولا يمكن الجزم بأن سببًا واحدًا يقف وراءه. فما ورد فيها هو روايته الشخصية لتجربة يصفها بأنها مرهقة، ورغبته المعلنة في مغادرة ساحات العمل العام والعلم والدراسات.

«الإنسان أثر».. ما الذي يبقى بعد الرحيل؟

اختتم جرجس رسالته بفكرة تبدو أقرب إلى خلاصة عمر كامل، حين أكد أن الإنسان لا يُقاس فقط بموقعه أو حضوره، وإنما بما يتركه من علم وفكر وقيم في نفوس من عرفوه.

وكتب: «وإنما الإنسان أثر ونأمل أن نكون تركنا الأثر الطيب في نفوس من عرفنا وشاهدنا».

وربما كانت هذه العبارة هي المفتاح الأهم لقراءة رسالته؛ فبين الرغبة في الانسحاب والاعتزاز بما تحقق، يضع جرجس حصيلة التجربة في ميزان الأثر، لا في ميزان التصفيق أو الخصومة.

أما ما إذا كان هذا القرار نهاية فعلية لمسيرته في الكتابة والدراسات، أم محطة أخيرة للمراجعة والابتعاد، فذلك ما لا تحسمه الكلمات وحدها. لكن المؤكد أن الرسالة أعادت طرح سؤال قديم يتجدد مع كل تجربة فكرية: ماذا يفعل الإنسان عندما يشعر أن كلفة الاستمرار أصبحت أكبر من قدرته على الاحتمال؟

في حالة فواز جرجس، جاء الجواب في صورة وداع معلن، ورسالة تستعيد معنى التفوق والخذلان والشيخوخة، وتنتهي عند الفكرة التي أراد لصاحبها أن تبقى بعد انطفاء الحضور: أن قيمة الإنسان الحقيقية ليست فيما يملكه من سلطة أو شهرة، بل فيما يتركه وراءه من أثر.

الأسئلة الشائعة

أعلن مغادرته مسرح العمل العام والعلم والدراسات إلى غير رجعة، في منشور حمل نبرة وداع واضحة.

ركز على أن التفوق قد يتحول لدى بعض المحيطين بصاحبه إلى مصدر للاستفزاز والعداء، وربط ذلك بمحاولات الهدم والتشويه.

هو أستاذ للعلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، وحصل على الدكتوراه من أكسفورد والماجستير من كلية لندن للاقتصاد، وسبق له التدريس والبحث في جامعات عالمية عدة.