قراءة تحليلية لجلسة (موارد النقد وإدارة الدين بمنتدى مصر 2026)
تشرفت أمس، الخميس 22 أكتوبر 2026، بتلبية الدعوة الكريمة الموجهة إليّ من رئاسة مجلس الوزراء، لحضور جلسة (موارد النقد وإدارة الدين)، ضمن فعاليات المحور الاقتصادي لمنتدى مصر 2026، المنعقد بمركز مؤتمرات فندق سانت ريجيس بالعاصمة الجديدة، تحت رعاية السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية.
وقد جاءت الجلسة في توقيت بالغ الأهمية، تتزايد فيه التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي، وتتداخل فيه التوترات الجيوسياسية مع تقلبات الأسواق المالية الدولية، بما يفرض على الاقتصادات الناشئة، ومنها الاقتصاد المصري، ضرورة إعادة النظر في كيفية تنمية مواردها من النقد الأجنبي وإدارة التزاماتها الخارجية، على نحو يحقق التوازن بين متطلبات الاستقرار النقدي والمالي وأهداف النمو الاقتصادي المستدام.
وشهدت الجلسة مشاركة السيد حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري، والسيد أحمد كجوك، وزير المالية، والدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، والدكتور سامح الحفني، وزير الطيران المدني، والسيد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، والدكتور محمد فريد صالح، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، والفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، إلى جانب مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الاقتصادية، ونخبة من الخبراء الاقتصاديين ورؤساء البنوك وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وأدارت الحوار الإعلامية دينا سالم.
ولم تقتصر أهمية الجلسة على استعراض مؤشرات الأداء الاقتصادي أو عرض السياسات الحكومية، وإنما امتدت إلى مناقشة قضية أعمق تتعلق بمدى قدرة الاقتصاد المصري على توليد موارد مستدامة من النقد الأجنبي، وكفاءة استخدام هذه الموارد، وقدرته على الوفاء بالتزاماته الخارجية دون الاعتماد المتزايد على الاقتراض أو التدفقات المالية قصيرة الأجل.
وقد تمحورت المناقشات حول ثلاثة تساؤلات جوهرية:
من أين يأتي الدولار إلى الاقتصاد المصري؟
وأين تُستخدم موارد النقد الأجنبي؟
وكيف يمكن إدارة الدين العام والخارجي بما يحافظ على الاستقرار المالي ويعزز القدرة على النمو؟
ومن واقع ما طُرح خلال الجلسة، أرى أن الإجابة عن هذه التساؤلات لا يمكن أن تنفصل عن طبيعة الهيكل الإنتاجي للاقتصاد، ومدى قدرته على التصدير وجذب الاستثمار وتعميق الصناعة المحلية، فضلًا عن كفاءة إدارة موارد الدولة والتزاماتها المالية.

أولًا: السياسة النقدية ومرونة سعر الصرف.. من الدفاع عن السعر إلى إدارة التوازن
استعرض السيد حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري، عددًا من التطورات التي شهدتها سوق النقد الأجنبي، مؤكدًا استمرار الالتزام بنظام سعر الصرف المرن، باعتباره إحدى الأدوات الرئيسية لامتصاص الصدمات الاقتصادية الخارجية.
وأوضح أن الدفاع المستمر عن مستوى محدد لسعر العملة، دون توافر المقومات الاقتصادية الملائمة لنظام الصرف الثابت، قد يؤدي إلى اختلالات في السوق، من بينها نشوء سوق موازية للنقد الأجنبي وتعدد أسعار العملة، بما يؤثر سلبًا على كفاءة تخصيص الموارد وقرارات الاستثمار والإنتاج.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في ضوء التحول الذي شهدته السياسة النقدية المصرية منذ مارس 2024، والانتقال إلى نظام أكثر مرونة لسعر الصرف، يسمح بتفاعل العملة مع قوى العرض والطلب والتطورات الاقتصادية.
وقد استعرض المحافظ مجموعة من المؤشرات التي تعكس تطور الوضع الخارجي، من أبرزها ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية من نحو 33.2 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2022 إلى نحو 57.348 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، وفقًا للبيانات المبدئية المعلنة من البنك المركزي المصري.
كما بلغ صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي نحو 31.2 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026، موزعًا بين 18.8 مليار دولار لدى البنك المركزي و12.4 مليار دولار لدى البنوك.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن صافي الاحتياطيات الدولية وصافي الأصول الأجنبية مؤشران مختلفان من حيث التعريف والمكونات والتغطية المؤسسية، ولا يجوز جمعهما أو التعامل معهما باعتبارهما رصيدًا واحدًا.
وتناول المحافظ كذلك عودة النشاط إلى سوق الإنتربنك الدولاري، مشيرًا، وفقًا للتغطيات المنشورة لتصريحاته، إلى أن متوسط التداولات اليومية بلغ نحو 500 مليون دولار، مع وصول التعاملات إلى قرابة ملياري دولار في بعض الأيام.
ويعكس ذلك تطورًا في نشاط سوق التعاملات بين البنوك، وإن كان حجم التداول في حد ذاته لا يمثل تدفقًا جديدًا بالقيمة نفسها من النقد الأجنبي إلى الاقتصاد، وإنما يعبر عن حجم المعاملات المنفذة داخل السوق المصرفية.
ومن وجهة نظري، فإن الأهمية الحقيقية لما طرحه محافظ البنك المركزي لا تنحصر في ارتفاع الاحتياطيات أو تحسن مؤشرات السيولة الخارجية، وإنما تتمثل في التأكيد على أن السياسة النقدية، مهما بلغت كفاءتها، لا تستطيع بمفردها خلق موارد مستدامة من العملات الأجنبية.
فالبنك المركزي يستطيع إدارة السيولة، وتنظيم سوق الصرف، وتحقيق الاستقرار النقدي والمصرفي، لكنه لا يستطيع أن يحل محل المصانع في التصدير، أو الشركات في الاستثمار، أو القطاعات الإنتاجية والخدمية في توليد الإيرادات الخارجية.
ومن ثم، فإن مرونة سعر الصرف تمثل أداة مهمة في إدارة التوازنات الاقتصادية، لكنها ليست بديلًا عن زيادة الإنتاجية والتنافسية وتعزيز قدرة الاقتصاد الحقيقي على توليد النقد الأجنبي.
ثانيًا: إدارة الدين الخارجي.. القضية ليست حجم الاقتراض وحده
انتقلت المناقشات إلى ملف إدارة الدين الخارجي، حيث استعرض الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، توجهات الدولة بشأن ضبط مسار الاقتراض الخارجي وتعزيز حوكمته.
وأكد أهمية التعامل مع الدين من منظور متكامل لا يقتصر على حجمه الإجمالي، بل يمتد إلى هيكله وتكلفة خدمته وآجال استحقاقه وقدرة الاقتصاد على الوفاء بالتزاماته.
وأوضح أن وزارة التخطيط تضطلع بدور رئيسي في الأمانة الفنية للجنة إدارة الدين الخارجي، التي تتولى دراسة طلبات التمويل ومراجعة الجدوى والتأكد من توافق الاقتراض مع الأولويات التنموية، فضلًا عن تقييم البدائل التمويلية واختيار الأنسب من حيث التكلفة والشروط.
وأشار إلى استهداف وضع الدين الخارجي على مسار تنازلي تدريجي، بحيث تتجاوز قيمة المبالغ المسددة من أصل الدين حجم الاقتراض الجديد، مع العمل على تنمية الموارد الذاتية للاقتصاد وتقليل الضغوط المستقبلية على النقد الأجنبي.
كما تناول توجه الدولة نحو دراسة آليات تمويل وضمان جديدة بالتعاون مع المؤسسات الدولية، خاصة في مشروعات البنية الأساسية، إلى جانب ترشيد الإنفاق الحكومي المقوم بالدولار وتعظيم الاستفادة من الأصول القائمة.
وفي السياق ذاته، عرض السيد أحمد كجوك، وزير المالية، تطور الدين الخارجي لأجهزة الموازنة، مشيرًا، إلى انخفاض رصيده من نحو 82.6 مليار دولار في العام المالي 2022/2023 إلى نحو 76.1 مليار دولار في العام المالي 2025/2026، بانخفاض قدره 6.5 مليار دولار.
ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن هذه الأرقام تتعلق بالدين الخارجي لأجهزة الموازنة، ولا تمثل إجمالي الدين الخارجي لجميع قطاعات الاقتصاد المصري.
كما أن انخفاض رصيد الدين بين تاريخين لا يكفي وحده للحكم على حجم السداد النقدي الفعلي، إذ قد تتأثر الأرصدة كذلك بفروق تقييم العملات وإعادة الهيكلة والتسويات المالية.
وفي تقديري، فإن الإدارة الرشيدة للدين تتطلب تجاوز النظرة التقليدية التي تركز على قيمة الدين وحدها، والانتقال إلى مجموعة أكثر شمولًا من المعايير، تشمل تكلفة الاقتراض، ومتوسط آجال الاستحقاق، وتوزيع الالتزامات بين العملات المختلفة، ونسبة خدمة الدين إلى الموارد المتاحة، ومدى ارتباط التمويل بمشروعات ذات جدوى اقتصادية حقيقية.
فليس كل اقتراض عبئًا اقتصاديًا بالضرورة، كما أن انخفاض الاقتراض لا يمثل إنجازًا في جميع الأحوال.
قد يكون الاقتراض مبررًا لتمويل مشروع إنتاجي يحقق قيمة مضافة مرتفعة ويعزز الصادرات أو يدعم البنية الأساسية الضرورية للنمو، بشرط توافر جدوى اقتصادية واضحة وخطة واقعية للسداد.
وفي المقابل، فإن التمويل الذي لا يرتبط بعائد اقتصادي أو اجتماعي كافي، ولا تتوافر له مصادر سداد مستدامة، قد يتحول إلى عبء إضافي على الأجيال القادمة.
ومن هنا تتأكد ضرورة الربط بين قرارات التمويل الخارجي والعائد الاقتصادي المتوقع، مع التمييز بين المشروعات المولدة للنقد الأجنبي بصورة مباشرة، والمشروعات التي تحقق منافع تنموية واجتماعية غير مباشرة.
ثالثًا: السياحة.. مورد دولاري يحتاج إلى تعظيم صافي العائد
استعرض السيد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، مؤشرات أداء القطاع السياحي خلال السنوات الماضية، باعتباره أحد المصادر الرئيسية للنقد الأجنبي.
وأوضح أن مصر استقبلت نحو 135 مليون سائح خلال الفترة من يوليو 2014 حتى يونيو 2026، بإجمالي يقارب 1.37 مليار ليلة سياحية، وبإيرادات سياحية تراكمية بلغت نحو 125 مليار دولار خلال الفترة نفسها.
كما استعرض مستهدفات القطاع للعام المالي 2030/2031، التي تشمل الوصول إلى 30 مليون سائح سنويًا، وتحقيق 300 مليون ليلة سياحية، وزيادة الإيرادات السنوية إلى ما يتراوح بين 36 و40 مليار دولار، مع التوسع في الطاقة الفندقية للوصول إلى نحو 500 ألف غرفة ووحدة.
وتمثل هذه المستهدفات فرصة مهمة لتعزيز موارد النقد الأجنبي، لا سيما مع ما تتمتع به مصر من تنوع سياحي يجمع بين السياحة الثقافية والشاطئية والدينية والترفيهية وسياحة المؤتمرات.
لكن من الناحية الاقتصادية، فإن تعظيم العائد السياحي يجب ألا يقتصر على زيادة عدد الوافدين.
فالأكثر أهمية هو رفع متوسط إنفاق السائح، وإطالة مدة إقامته، وتحسين مستوى الخدمات، وتنويع الأسواق المصدرة للسياحة، وزيادة القيمة المضافة المحلية للمنتج السياحي.
كذلك ينبغي التمييز بين إجمالي الإيرادات السياحية وصافي المساهمة في موارد النقد الأجنبي، بعد مراعاة المدفوعات الخارجية المرتبطة بالنشاط، سواء لاستيراد مستلزمات التشغيل أو شراء الخدمات الأجنبية أو تحويل العوائد المستحقة إلى الخارج.
وعليه، فإن زيادة أعداد السياح تمثل مؤشرًا مهمًا للنمو، لكن كفاءة هذا النمو تقاس في النهاية بما يحققه من عائد اقتصادي صافي وفرص عمل وقيمة مضافة محلية.
رابعًا: الطيران المدني.. البنية الأساسية بوابة لنمو الموارد الخارجية
جاءت مداخلة الدكتور سامح الحفني، وزير الطيران المدني، لتؤكد الارتباط الوثيق بين نمو السياحة وتطوير قطاع الطيران.
وأوضح أن المطارات المصرية تستقبل أكثر من 95% من حركة السياحة الوافدة إلى مصر، مشيرًا إلى أن حصيلة قطاع الطيران المدني بلغت نحو 4.8 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026.
كما استعرض استثمارات نفذتها الدولة تتجاوز 400 مليون دولار لتطوير المجال الجوي المصري وأنظمة الملاحة والاتصالات والرادارات، بما يرفع كفاءة التشغيل ويعزز جاذبية المسارات الجوية.
وأشار الوزير إلى خطة زيادة الطاقة الاستيعابية للمطارات من نحو 73 مليون راكب سنويًا إلى أكثر من 122 مليون راكب بحلول عام 2030.
وتناول كذلك دراسة طرح 11 مطارًا لمشاركة القطاع الخاص في الإدارة والتشغيل والتطوير، باستثناء مطار القاهرة الدولي، مع اعتبار مطار الغردقة نموذجًا استرشاديًا، والتأكيد على استمرار ملكية الدولة للمطارات باعتبارها أصولًا سيادية.
كما استعرض مشروع مبنى الركاب الرابع بمطار القاهرة، باستثمارات تقديرية تبلغ نحو 4.2 مليار دولار، ضمن خطط التوسع في القدرة الاستيعابية للمطار.
وفيما يتعلق بشركة مصر للطيران، أشار الوزير إلى خفض الخسائر المتراكمة من 31.5 مليار جنيه إلى 5.9 مليار جنيه، مع استهداف تصفيرها خلال عامين، إلى جانب تنفيذ خطط لتحديث الأسطول وتحسين الكفاءة التشغيلية.
وتوضح هذه المؤشرات حجم الاستثمارات والتوسعات المستهدفة، غير أن تقييم أثرها الاقتصادي يتطلب النظر إلى العلاقة بين تكلفة الإنشاء والتشغيل والتمويل، وبين العائد المتوقع بالعملات الأجنبية.
فالزيادة في الطاقة الاستيعابية للمطارات لا تمثل في حد ذاتها زيادة مؤكدة في الإيرادات، ما لم تقترن بنمو الطلب الفعلي وارتفاع معدلات التشغيل وكفاءة استغلال الأصول.
ومن هنا تتأكد أهمية التكامل بين وزارتي السياحة والطيران المدني والجهات المعنية بالاستثمار، بحيث تتوافق خطط إنشاء الغرف الفندقية مع الطاقة الجوية والطلب السياحي المتوقع.
خامسًا: قناة السويس.. كيف تؤثر الجغرافيا السياسية في موارد النقد الأجنبي؟
كانت مداخلة الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، من أبرز المداخلات التي كشفت عن مدى تأثر موارد النقد الأجنبي بالصدمات الجيوسياسية الخارجية.
فقد استعرض التداعيات التي تعرضت لها حركة الملاحة الدولية نتيجة اضطرابات البحر الأحمر وباب المندب، وما ترتب عليها من تحويل عدد من الخطوط الملاحية مساراتها إلى طرق بديلة.
وأوضح أن فاقد الإيرادات التقديري الناتج عن تلك الاضطرابات بلغ نحو 17 مليار دولار خلال فترة تقارب عامين ونصف العام.
كما أشار إلى انخفاض إيرادات قناة السويس من نحو 10.25 مليار دولار في عام 2023 إلى نحو 3.99 مليار دولار في عام 2024، قبل أن تسجل نحو 4.1 مليار دولار خلال عام 2025، وفقًا للأرقام التي تناولتها التغطيات المنشورة للجلسة.
وتتعلق هذه المقارنات بالسنوات الميلادية، ولا ينبغي الخلط بينها وبين بيانات إيرادات القناة وفق السنوات المالية.
وأوضح رئيس الهيئة أن حركة عبور السفن تراجعت من نحو 75 إلى 80 سفينة يوميًا قبل الأزمة إلى قرابة 30 سفينة خلال فترات تأثر الملاحة.
وفي مواجهة هذه التحديات، استعرض توجه الهيئة لتنويع مصادر إيراداتها من خلال تطوير خدمات إصلاح السفن، والصناعات البحرية، وتصنيع القاطرات، والخدمات اللوجستية، وغيرها من الأنشطة المرتبطة بالملاحة والتجارة الدولية.
ومن وجهة نظري، فإن ما شهدته قناة السويس يقدم مثالًا واضحًا على المخاطر التي قد تواجه الاقتصادات المعتمدة على موارد خارجية تتأثر بعوامل لا تخضع بالكامل لسيطرتها.
فالموقع الجغرافي المتميز يمثل ميزة تنافسية كبيرة، لكنه لا يوفر وحده الحماية من الصدمات الإقليمية.
ولهذا، فإن تنويع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالقناة يمكن أن يسهم في تعزيز قدرتها على تحقيق الإيرادات، مع بقاء استقرار الملاحة الدولية عاملًا حاسمًا في استعادة مستويات العبور السابقة.
كما تبرز الحاجة إلى تبني سيناريوهات مالية واقتصادية مختلفة عند إعداد توقعات موارد قناة السويس، بدلًا من الاعتماد على افتراض واحد بشأن استقرار حركة التجارة العالمية.
سادسًا: الاستثمار الأجنبي.. من جذب رؤوس الأموال إلى بناء قدرات إنتاجية
تناول الدكتور محمد فريد صالح، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، عددًا من الإجراءات المستهدفة لتحسين بيئة الأعمال وتيسير إقامة المشروعات.
وأوضح أن الدولة تعمل على معالجة التحديات الإدارية التي تواجه المستثمرين، من خلال التوسع في الرخص الذهبية والمناطق الاستثمارية ورقمنة الإجراءات الحكومية.
وأشار إلى إصدار 57 رخصة ذهبية، والعمل على تطوير (منصة الكيانات الاقتصادية)، التي تستهدف الربط بين 92 جهة حكومية خلال خطة تمتد لنحو 18 شهرًا، بما يسمح بمتابعة طلبات المستثمرين والتراخيص والموافقات بصورة إلكترونية.
كما تناول إعداد استراتيجية لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر بالتعاون مع البنك الدولي، تستهدف تحديد القطاعات الأكثر جاهزية لاستقبال الاستثمارات، والتعامل مع التحديات التي تحول دون التوسع في قطاعات أخرى.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية اقتصادية تتجاوز مجرد اختصار زمن إصدار التراخيص.
فالاستثمار الأجنبي المباشر يمكن أن يؤدي دورًا مؤثرًا في زيادة الطاقات الإنتاجية، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص العمل، ورفع القدرة التصديرية.
لكن الأثر الحقيقي للاستثمار الأجنبي على موارد النقد الأجنبي لا يقاس بقيمة التدفقات الداخلة وحدها.
فقد تتطلب المشروعات الأجنبية واردات رأسمالية ومستلزمات إنتاج، كما قد تنشأ عنها لاحقًا مدفوعات أرباح أو التزامات أخرى إلى الخارج.
ولهذا فإن تقييم الاستثمار ينبغي أن يشمل صافي أثره على ميزان المدفوعات، وحجم القيمة المضافة المحلية، ومدى مساهمته في الصادرات، وقدرته على تعميق سلاسل الإنتاج والتوريد داخل الاقتصاد المصري.
وبالتالي، فإن الهدف الاقتصادي الأكثر أهمية ليس جذب أكبر حجم من الأموال الأجنبية فحسب، وإنما جذب استثمارات ترفع القدرة الإنتاجية والتنافسية وتولد موارد خارجية مستدامة.

سابعًا: الرؤية الأكاديمية.. الإنتاج والاستثمار أساس استدامة الدين
قدمت الدكتورة عالية المهدي، عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الأسبق، رؤية أكاديمية ركزت على أهمية معالجة الجوانب الهيكلية المرتبطة بالدين الخارجي وقدرة الاقتصاد على السداد.
وأشارت إلى تقدير لنسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي يبلغ نحو 39%، وطرحت إمكانية خفضها إلى 30% بحلول عام 2030 من خلال زيادة الإنتاج والاستثمار والنمو الاقتصادي.
وهنا يجب توضيح أن النسبتين وردتا في إطار مداخلتها، فالأولى تقدير يحتاج عند استخدامه إحصائيًا إلى تحديد سنة القياس ونطاق الدين والناتج المستخدم، بينما تمثل الثانية هدفًا اقترحته المتحدثة، وليست بالضرورة مستهدفًا حكوميًا.
وتكمن أهمية هذه الرؤية في التأكيد على أن خفض عبء الدين لا يتحقق فقط من خلال السداد المباشر أو تقليص الاقتراض، وإنما كذلك عبر توسيع حجم الاقتصاد وزيادة قدرته الإنتاجية والتصديرية.
فكلما ارتفعت قدرة الاقتصاد على توليد الدخل والنقد الأجنبي، تحسنت قدرته على الوفاء بالتزاماته، بشرط ألا تنمو أعباء الدين بمعدلات تتجاوز قدرته على السداد.
ومن ثم، فإن إدارة الدين الخارجي يجب أن تتكامل مع سياسات الاستثمار والإنتاج والتصدير، لا أن تقتصر على الإدارة المالية للالتزامات القائمة.
ثامنًا: قراءة اقتصادية في حصيلة الجلسة.. ما الذي تكشفه الأرقام ؟
من خلال متابعة المداخلات والبيانات المطروحة بالجلسة، يمكن استخلاص حقيقة اقتصادية أساسية، وهي أن تحسن مؤشرات الاستقرار النقدي والمالي، على أهميته، لا يغني عن معالجة الاختلالات الهيكلية التي تؤثر في موارد النقد الأجنبي واستخداماته.
فارتفاع الاحتياطيات الدولية يمثل عنصرًا داعمًا للثقة والقدرة على مواجهة الصدمات، لكنه لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد حقق فائضًا مستدامًا في معاملاته الخارجية.
كما أن تحسن صافي الأصول الأجنبية للجهاز المصرفي يعكس تطورًا في مركزه الخارجي، لكنه لا يلغي الحاجة إلى تحليل طبيعة الأصول والالتزامات ومصادر التغير فيهما.
وبالمثل، فإن زيادة تدفقات الاستثمار أو القروض الخارجية قد تساعد على تمويل احتياجات الاقتصاد، لكنها تختلف من حيث طبيعتها وآثارها المستقبلية عن الإيرادات المتولدة من الصادرات والخدمات والتحويلات.
وهنا ينبغي التمييز بين موارد الحساب الجاري، التي تشمل الصادرات والخدمات والتحويلات والمدفوعات المرتبطة بها، وبين تدفقات الحساب المالي، التي تتضمن الاستثمار والاقتراض وغيرها من المعاملات المالية، فضلًا عن التمييز بين هذه التدفقات وبين الأرصدة القائمة في تاريخ معين، مثل الاحتياطيات والدين الخارجي.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عند تقييم مدى استدامة موارد النقد الأجنبي.
فليس كل دولار يدخل الاقتصاد يمثل إيرادًا جديدًا، كما أن كل تدفق تمويلي لا يعني بالضرورة تحسنًا دائمًا في قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية.
كذلك فإن التحسن في أحد المؤشرات الإجمالية لا يكفي بمفرده لإثبات تحسن الأثر الاقتصادي النهائي، ما لم يُنظر إليه في سياق العلاقات المتبادلة بين القطاعات والموارد والالتزامات.
ومن ثم، فإن إحدى القضايا الجديرة بالدراسة تتمثل في مدى قدرة أدوات التقييم الاقتصادي القائمة على التعبير عن النتائج الفعلية للسياسات والمشروعات، بعيدًا عن الاكتفاء بالمؤشرات الإجمالية المنفردة.
تاسعًا: ما بعد الجلسة.. أولويات تستحق دراسة أعمق
في ضوء ما طُرح خلال الجلسة، أرى أن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من معالجة الاختلالات الاقتصادية بصورة منفصلة إلى رؤية أكثر تكاملًا، تربط بين استدامة موارد النقد الأجنبي، وكفاءة توظيف التمويل، والقدرة المستقبلية على الوفاء بالالتزامات.
فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تحسين المؤشرات كلٌّ على حدة، وإنما في التأكد من أن هذا التحسن ينعكس على قوة الاقتصاد الفعلية.
وهو ما يطرح تساؤلًا يستحق الدراسة: هل تعكس المؤشرات المتداولة حجم النشاط الاقتصادي فحسب، أم تعكس كذلك جودة مساهمته في تحقيق الاستقرار والنمو المستدام؟
ومن هذا المنطلق، أرى أهمية تطوير أدوات أكثر تقدمًا لتقييم كفاءة السياسات الاقتصادية، وتعزيز التكامل بين القرارات النقدية والمالية والإنتاجية والاستثمارية، مع التركيز علي اهتمام خاص للعلاقة بين الموارد المتاحة والالتزامات المستقبلية.
عاشرًا: من الاستقرار النقدي إلى الاستدامة الاقتصادية
لقد كشفت جلسة (موارد النقد وإدارة الدين) عن مجموعة من المؤشرات الإيجابية في أداء الاقتصاد المصري، وفي مقدمتها تحسن الاحتياطيات الدولية وصافي الأصول الأجنبية، وتطور آليات إدارة سوق الصرف، إلى جانب السياسات المستهدفة لضبط الاقتراض وتنمية الموارد الخارجية.
كما أبرزت المداخلات فرصًا مهمة لزيادة موارد النقد الأجنبي من السياحة والطيران والاستثمار والصادرات والخدمات البحرية.
وفي المقابل، أكدت المناقشات استمرار مجموعة من التحديات، أبرزها تأثر بعض الموارد الخارجية بالتوترات الجيوسياسية، والحاجة إلى تقليل مخاطر إعادة التمويل، وتحسين هيكل الإنتاج المحلي، وزيادة قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية بصورة منتظمة ومستدامة.
وأرى أن جوهر التحدي الاقتصادي لا يتمثل في مجرد توفير الدولار عند الحاجة، وإنما في بناء اقتصاد يستطيع إنتاجه بصورة مستمرة من خلال النشاط الإنتاجي والخدمي والتصديري، وفي الوقت نفسه يحسن استخدامه ويوجه موارده نحو الأنشطة الأعلى عائدًا وقيمة مضافة.
كما أن نجاح إدارة الدين لا ينبغي أن يُقاس فقط بانخفاض الرصيد القائم، بل بمدى تحسن القدرة على السداد، وانخفاض تكلفة التمويل ومخاطره، وارتفاع العائد الاقتصادي والاجتماعي المحقق من الموارد المقترضة.
ومن هنا، فإن الإدارة الاقتصادية الأكثر كفاءة هي التي تنجح في تحقيق التكامل بين السياسة النقدية والسياسة المالية والسياسات الإنتاجية والاستثمارية، بحيث تتجه جميعها نحو هدف مشترك يتمثل في تعزيز قدرة الاقتصاد على النمو والاستقرار والوفاء بالتزاماته.
وفي ختام هذه القراءة، أؤكد تقديري لأهمية إتاحة هذه المساحة من الحوار المباشر بين مسؤولي السياسات الاقتصادية والخبراء والمتخصصين، لما تمثله من فرصة لمناقشة التحديات الاقتصادية على٩ أساس البيانات والتحليل، وتبادل الرؤى بشأن السياسات والحلول الممكنة.
غير أن القيمة الحقيقية لأي حوار اقتصادي لا تتوقف عند حدود استعراض الإنجازات أو تشخيص المشكلات، وإنما تتجسد في القدرة على تحويل ما يُطرح من رؤى إلى برامج تنفيذية واضحة، تستند إلى أهداف قابلة للقياس، ومسؤوليات محددة، وجداول زمنية معلنة، وآليات متابعة ومحاسبة.
فالاقتصاد القوي ليس الاقتصاد الذي يستطيع تدبير الدولار فحسب، بل الاقتصاد الذي يمتلك القدرة على إنتاجه، وتعظيم صافي العائد منه، وإدارة التزاماته بما يحافظ على موارده ويعزز فرص نموه.
وتلك، في تقديري، هي الرسالة الاقتصادية الأهم التي ينبغي البناء عليها بعد جلسة (موارد النقد وإدارة الدين) بمنتدى مصر 2026.
*مدير عام القطاع المالى – البنك المركزي المصري
.
ناقشت الجلسة استدامة موارد النقد الأجنبي وكيفية إدارة الدين العام والخارجي بما يحافظ على الاستقرار المالي ويعزز النمو الاقتصادي
أشار المحافظ إلى ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى نحو 57.348 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026 وارتفاع صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي إلى نحو 31.2 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026
تم التأكيد على أن إدارة الدين لا ترتبط بحجمه فقط بل بهيكله وتكلفة خدمته وآجال استحقاقه وقدرة الاقتصاد على السداد مع استهداف مسار تنازلي للدين الخارجي


