هي جريمة لا تنتهي عند حدود المكان الذي وقعت فيه، ولكنها تمتد لتختبر ضمير المجتمع، وقدرة الدولة على حماية ناسها، هي لحظة يختلط فيها الحزن بالخوف، ويصبح الكلام نفسه مسؤولية لا تقل عن مسؤولية الفعل.

من هذا المعنى، تابعت تفاصيل الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة في محافظة الكركالأردنية، أتابع الخبر لكنني مع توالي الأحداث، وجدتني أتابع ما هو أبعد من الجريمة ذاتها، أتابع كيف تتصرف دولة حين تتعرض واحدة من دور عبادتها للاعتداء، وكيف تخاطب شعبها في ساعة الألم.

المشهد الأردني في تفاصيله المتتابعة صار جديرًا بالتأمل، منذ اللحظات الأولى بدا واضحًا أن هناك إدراكًا رسميًا بأن ما حدث ليس حادثًا عابرًا يمكن أن تنتهي حكايته بانتهاء التحقيقات، وإنما اعتداء على الدولة ومجتمعها، أيًا كانت عقائدهم أو أماكن عبادتهم.

الاستجابة الأمنية لم تكن وحدها هي ما يستحق التقدير، وإنما ذلك الحضور المتكامل للدولة، سياسيًا وأمنيًا وإعلاميًا وإنسانيًا، تحرك سريع ومتابعة على أعلى المستويات، معلومات يتم تقديمها للرأي العام بقدر ما تسمح به مقتضيات التحقيق، من دون أن تتحول التغطية الإعلامية إلى ساحة للشائعات أو سباق محموم وراء التفاصيل المثيرة.

في مواجهة الدم، اختارت الدولة الأردنية أن تمنح الكلمات معناها الإنساني والوطني، لم تترك الضحايا لأسمائهم ودياناتهم، وإنما جرى التأكيد على أنهم أردنيون، وأن الاعتداء عليهم مسٌّ بكرامة الجميع، هكذا ينبغي أن يكون الوطن، مساحة مشتركة لا يمكن فيها تجزأة المواطنة، لا تتفاوت فيها قيمة الإنسان بحسب معتقده، ولا يصبح اختلاف العقيدة مدخلًا للتمييز في الموت أو الحزن أو التضامن.

كان في الموقف الملكي ما يعكس هذه الروح، إدانة واضحة من الملك عبدالله الثاني وولي عهده، ثم زيارة الملك للمصابين، وتلتها زيارة الملكة رانيا، في رسائل تتجاوز البروتوكول إلى معنى القرب من الناس في محنتهم، فالمصاب الذي يرقد على سرير العلاج لا يحتاج إلى كلمات التعزية وحدها، يحتاج أيضًا إلى أن يشعر بأن ألمه مرئي، وأن الدولة التي ينتمي إليها ليست بعيدة عنه، وأن ما أصابه لم يتحول إلى رقم في بيان رسمي.

ولأن الحزن الوطني لا يجوز أن يكون عابرًا، جاء إعلان الحداد الرسمي وتنكيس الأعلام ثلاثة أيام تعبيرًا عن أن ما جرى ليس شأنًا يخص أسر الضحايا وحدها، وإنما وجع عام يستحق أن يتوقف المجتمع أمامه، وأن يجد كل أردني نفسه معنيًا به، ومشاركًا فيه.

أما الأداء الإعلامي، فكان جانبًا آخر يستحق الانتباه، مؤتمرات صحفية ومسؤولون يواجهون الأسئلة، وإجابات تحاول أن تضع الرأي العام أمام الحقائق المتاحة، مع الالتزام بعدم تسريب معلومات يمكن أن تضر بسير الإجراءات الأمنية، وهذا تحديدًا هو الفارق بين إعلام يؤدي واجبه في خدمة الناس، وإعلام يطارد الإثارة ولو على حساب الحقيقة، أو يخلط بين حق الجمهور في المعرفة وحق أجهزة التحقيق في أداء عملها بعيدًا عن التشويش.

إن الاحتراف هنا لا يعني غياب الأسئلة الصعبة، ولا تحويل المسؤولين إلى أشخاص فوق المساءلة، بل يعني أن تكون هناك إجابات واضحة كي نحترم عقول الناس، تحية من القلب إلى الأردن، ملكًا وحكومة وشعبًا، وإلى كل من أدرك أن مواجهة الإرهاب لا تبدأ من فوهة السلاح وحدها، ولا تنتهي عند القبض على الجناة. المؤكد هو أنها معركة متعددة الوجوه، تحتاج إلى قوة القانون، وكفاءة الأجهزة الأمنية، وشفافية الخطاب العام، وإلى عمل فكري وثقافي جاد يواجه الأفكار التي تمنح القتل مبررات زائفة، وتجعل من الكراهية عقيدة، ومن استباحة حياة الآخرين بطولة موهومة.

الإرهاب لا يعيش بالسلاح وحده، يعيش أيضًا في العقول التي تبرر له، وفي البيئات التي تسمح له بالتكاثر، وفي الخطابات التي تستسهل التحريض وتتعامل مع الاختلاف باعتباره خطرًا ينبغي التخلص منه، ومواجهته الحقيقية تقتضي تجفيف منابعه، ومراجعة الأفكار المتطرفة، وإعلاء قيمة الإنسان، وترسيخ ثقافة المواطنة، من دون تهاون في تطبيق القانون أو تردد في حماية المجتمع.

الدرس المستفاد هو ان قيمة الدولة الحقيقية تكمن في قدرتها على أن تكون حاضرة حين ينكسر الناس، قوية حين يتهددهم الخطر، صادقة حين تخاطبهم، وعادلة حين تحاسب المسؤولين.

ذلك هو الدرس الذي يستحق أن نتأمله في التجربة الأردنية.. إن مواجهة الإرهاب ليست مجرد معركة أمنية، بل امتحان للدولة والضمير معًا، وأن النجاح فيها لا يُقاس فقط بما يُكشف من جرائم، وإنما أيضًا بما يتم صيانته من كرامة الإنسان.

رحم الله الضحايا، ومنح أسرهم الصبر والقوة، وأتم شفاء المصابين، وحفظ الأردن وأهله من كل سوء.

الأسئلة الشائعة

الرسالة كانت أن الاعتداء لم يُنظر إليه كحادث عابر بل كاعتداء على الدولة والمجتمع كله، وأن الضحايا أردنيون أولًا وأن كرامتهم تمس كرامة الجميع

جاءت الاستجابة متكاملة سياسيًا وأمنيًا وإعلاميًا وإنسانيًا مع تحرك سريع ومتابعة على أعلى المستويات وتقديم معلومات للرأي العام دون الإضرار بسير التحقيق

أعلنت الدولة الحداد الرسمي وتنكيس الأعلام ثلاثة أيام إلى جانب إدانة الملك عبدالله الثاني وولي عهده وزيارات الملك والملكة للمصابين