في ظل الارتفاع المتواصل للأسعار، أصبح المواطن المصري يواجه أعباءً معيشية متزايدة، تتجاوز في كثير من الأحيان قدرته على الاحتمال، خاصة أصحاب المعاشات ومحدودي الدخل الذين يجدون أنفسهم أمام معركة يومية لتوفير احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والدواء ومتطلبات الحياة.
وهنا يفرض السؤال نفسه: هل تعود موجات ارتفاع الأسعار إلى الأزمات العالمية واضطرابات الاقتصاد الدولي، أم أن جزءًا من الأزمة يرجع إلى فوضى الأسواق المحلية وغياب الرقابة الكافية على بعض التجار؟
لا شك أن الأزمات العالمية، وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، عوامل تؤثر في أسعار السلع داخل مصر، شأنها شأن بقية دول العالم. ولكن الاعتراف بتأثير هذه العوامل لا يعني أن نترك الأسواق بلا ضوابط، أو أن يتحمل المواطن وحده فاتورة كل أزمة، بينما ترتفع أسعار بعض السلع بصورة مبالغ فيها، ودون مبررات واضحة.
أين دور الدولة في ضبط الأسواق؟
إن مسؤولية الدولة لا تقتصر على توفير السلع، بل تمتد إلى ضمان وصولها للمواطن بأسعار عادلة، ومواجهة الممارسات الاحتكارية، ومنع استغلال الأزمات لتحقيق أرباح مبالغ فيها على حساب احتياجات الناس.
ومن غير المقبول أن تختلف أسعار السلعة الواحدة اختلافًا كبيرًا من متجر إلى آخر، دون وجود أسباب حقيقية تبرر هذا التفاوت، أو أن يجد المواطن نفسه عاجزًا عن معرفة السعر العادل لما يشتريه.
إن السوق الحر لا يعني الفوضى، وحرية التجارة لا تعني ترك المستهلك فريسة للاستغلال. فهناك فارق كبير بين التاجر الذي يحقق ربحًا مشروعًا، وبين من يستغل حاجة المواطنين أو يبالغ في الأسعار دون مبرر.
قانون حماية المستهلك.. موجود ويحتاج إلى تفعيل حقيقي
تمتلك مصر بالفعل قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018، الذي يضع إطارًا قانونيًا لحماية حقوق المستهلك وتنظيم العلاقة بينه وبين الموردين ومقدمي الخدمات.
لكن وجود القانون وحده لا يكفي؛ فالأهم هو تطبيقه بجدية وفاعلية، وتكثيف الرقابة على الأسواق، والتحقيق في شكاوى المواطنين، واتخاذ الإجراءات القانونية ضد المخالفين، مع الإعلان بوضوح عن قنوات تقديم الشكاوى ونتائج التعامل معها.
كما ينبغي تشديد الرقابة على الممارسات الاحتكارية، ومواجهة التلاعب بالأسعار أو حجب السلع بقصد رفع أثمانها، وفقًا للقوانين المنظمة، حتى يشعر المواطن أن هناك دولة تحمي حقوقه ولا تتركه وحيدًا في مواجهة الاستغلال.
ماذا نريد من الحكومة؟
نريد رقابة يومية فعالة على الأسواق، وليس حملات مؤقتة تنتهي بانتهاء جولاتها. ونريد شفافية في تسعير السلع، ومحاسبة واضحة للمخالفين، وتشجيع المنافسة الحقيقية بين التجار، والتوسع في توفير السلع الأساسية من خلال المنافذ الحكومية بأسعار مناسبة.
كما نحتاج إلى توعية المواطنين بحقوقهم، وتسهيل تقديم الشكاوى ومتابعتها، حتى لا تتحول الشكوى إلى مجرد إجراء شكلي لا يترتب عليه تغيير حقيقي.
وفي الوقت نفسه، يجب على الدولة أن تواصل معالجة الأسباب الاقتصادية لارتفاع الأسعار، ودعم الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات حيثما أمكن، وتحسين كفاءة سلاسل التوزيع؛ لأن الحل المستدام لا يتحقق بالرقابة وحدها، بل يتطلب أيضًا زيادة المعروض وخفض تكاليف الإنتاج والنقل.
المواطن ليس الحلقة الأضعف التي يجب أن تتحمل كل شيء
إن أخطر ما في استمرار ارتفاع الأسعار ليس فقط تراجع القدرة الشرائية للمواطن، بل شعوره بالعجز عن مواجهة أعباء الحياة، وفقدانه الثقة في إمكانية ضبط الأسواق وتحقيق العدالة بين أطراف العملية الاقتصادية.
فالمواطن الذي يعمل أو يتقاضى معاشًا محدودًا لا يستطيع زيادة دخله كلما ارتفعت الأسعار، ولا يملك رفاهية الاستغناء عن الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية. ومن ثم، فإن حمايته ليست مجرد مطلب اجتماعي، بل مسؤولية أساسية تقع على عاتق الدولة ومؤسساتها الرقابية.
كلمة أخيرة
لسنا ضد التاجر الذي يعمل ويجتهد ويحقق ربحًا مشروعًا، ولسنا نتجاهل تأثير الأزمات العالمية على الاقتصاد المصري، ولكننا نرفض أن تتحول هذه الأزمات إلى مبرر دائم لارتفاع الأسعار دون رقابة أو مساءلة.
إن المطلوب هو التوازن بين حرية التجارة وحماية المستهلك، وبين حق التاجر في الربح وحق المواطن في الحصول على احتياجاته بأسعار عادلة.
فهل تنجح الحكومة في إحكام الرقابة على الأسواق، وتفعيل قانون حماية المستهلك، ومواجهة الاحتكار والمغالاة في الأسعار؟
إن حماية المواطن المصري من الاستغلال ليست رفاهية، بل ضرورة تفرضها المسؤولية الوطنية والعدالة الاجتماعية. فالدولة القوية ليست فقط التي تواجه الأزمات، بل التي تحمي مواطنيها من تداعياتها، وتضمن ألا تتحول معاناتهم إلى فرصة لتحقيق أرباح على حساب لقمة عيشهم.
يرى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة واضطراب سلاسل الإمداد عوامل تؤثر في أسعار السلع داخل مصر مثل بقية دول العالم
المطلوب هو ضمان وصول السلع بأسعار عادلة ومواجهة الممارسات الاحتكارية ومنع استغلال الأزمات لتحقيق أرباح مبالغ فيها
يقترح تكثيف الرقابة على الأسواق والتحقيق في شكاوى المواطنين واتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين مع الإعلان عن قنوات الشكاوى ونتائجها


