أعاد فوز الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رئاسية رابعة، تسليط الضوء على توجهات السياسة الخارجية للبرازيل، في ظل التنافس الأمريكي الصيني على النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي، وسعي برازيليا إلى تنويع شراكاتها الدولية دون الانحياز الكامل إلى أي من القوتين.
وبحسب وكالة «رويترز» في تقرير نشرته 9 أكتوبر، تواجه البرازيل تحديا يتمثل في إدارة علاقاتها مع الولايات المتحدة والصين، أكبر شريكين تجاريين لها، بالتزامن مع مفاوضات بشأن الرسوم الجمركية والمعادن الحيوية، التي تسعى واشنطن إلى تأمين إمداداتها منها لتقليل اعتمادها على الصين.
علاقات متوازنة مع واشنطن وبكين
وتظهر المؤشرات التجارية حجم المصالح التي تربط البرازيل بالقوتين؛ إذ تشير بيانات منظمة التجارة العالمية لعام 2025 إلى أن الصين استحوذت على نحو 28.7% من الصادرات البرازيلية، مقابل 10.9% للولايات المتحدة، فيما مثلت الصين 25.9% من واردات البرازيل، مقابل 16.3% للولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، أكد لولا في تصريحات نقلتها «رويترز» في أبريل 2026 أن بلاده لا تفضل شريكا تجاريا على آخر، مشددا على رغبتها في الحفاظ على علاقات قوية وعملية مع واشنطن وبكين، انطلاقا من المصالح الوطنية والتعددية الدولية.
ويعني ذلك أن توسيع التعاون مع الصين لا يستلزم بالضرورة التخلي عن العلاقات الأمريكية، خاصة أن البلدين يرتبطان بالبرازيل بمصالح تجارية واستثمارية واسعة، تشمل الزراعة والطاقة والصناعة والمعادن الحيوية.
بريكس وتعزيز دور الجنوب العالمي
تمثل مجموعة بريكس إحدى الأدوات التي تعتمد عليها برازيليا لتعزيز حضورها الدولي وتوسيع خياراتها الاقتصادية والدبلوماسية.
ووفقا لتقرير لـ«رويترز» في سبتمبر 2026، يسعى التكتل إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والمالي بين أعضائه، وتطوير وسائل الدفع عبر الحدود، وزيادة استخدام العملات المحلية في المعاملات التجارية.
وتتبنى حكومة لولا توجها يدعم نظاما دوليا متعدد الأقطاب، مع منح دول الجنوب العالمي مساحة أكبر في مؤسسات الحوكمة والاقتصاد الدولي.
لكن بريكس لا تتحرك باعتبارها كتلة متجانسة؛ إذ يشير تقرير «رويترز» إلى اختلاف مواقف أعضائها بشأن طبيعة العلاقة مع الغرب، بين دول تنظر إلى المجموعة باعتبارها وسيلة لموازنة النفوذ الغربي، وأخرى تركز على التعاون الاقتصادي وإصلاح المؤسسات الدولية.
شراكات أوسع دون قطيعة مع الغرب
وفي إطار تنويع الشراكات، نقلت «رويترز» في فبراير 2026 أن البرازيل تدرس الدفع باتجاه اتفاق تجاري جزئي بين تكتل «ميركوسور» والصين، بعد تحفظات سابقة ارتبطت بمخاوف من تأثير الواردات الصينية في الصناعات المحلية.
ويعكس هذا التوجه اهتمام برازيليا بتوسيع فرص التجارة والاستثمار، مع بقاء أي اتفاق مرهونا بتوافق أعضاء التكتل.
ولا تقتصر استراتيجية لولا على توسيع الروابط مع بكين، بل تشمل أيضا العمل عبر الأطر متعددة الأطراف، بما فيها بريكس والتكتلات الإقليمية، لتعزيز قدرة البرازيل على التفاوض وحماية مصالحها الاقتصادية.
معادلة المصالح وحدود الاستقلال
ورغم تأكيد لولا استقلال القرار البرازيلي، فإن المناورة بين واشنطن وبكين تظل مرتبطة باعتبارات عملية؛ فالولايات المتحدة شريك تجاري رئيسي، بينما تحتل الصين موقعا متقدما في صادرات البرازيل ووارداتها، فضلا عن تنامي استثماراتها في قطاعات الإنتاج والتعدين.
ووفقا لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، فإن اعتماد البرازيل الاقتصادي على القوتين يجعل الاصطفاف الكامل مع إحداهما خيارا صعبا، حتى مع اختلاف توجهات القوى السياسية البرازيلية تجاه واشنطن وبكين.
وبذلك، لا يقاس استقلال السياسة الخارجية البرازيلية بمجرد توسيع العلاقات مع الصين أو تعزيز دور بريكس، بل بقدرة برازيليا على الحفاظ على مصالحها التجارية، وتوسيع شراكاتها، والتفاوض مع القوتين دون التخلي عن أولوياتها الوطنية.
أكد لولا أن البرازيل لا تفضل شريكا تجاريا على آخر، وأنها تريد الحفاظ على علاقات قوية وعملية مع واشنطن وبكين انطلاقا من المصالح الوطنية والتعددية الدولية
لأن الولايات المتحدة والصين هما أكبر شريكين تجاريين للبرازيل، ولأن هناك مفاوضات بشأن الرسوم الجمركية والمعادن الحيوية التي تسعى واشنطن إلى تأمين إمداداتها منها لتقليل اعتمادها على الصين
تعتمد برازيليا على بريكس لتعزيز حضورها الدولي وتوسيع خياراتها الاقتصادية والدبلوماسية ودعم نظام دولي متعدد الأقطاب يمنح دول الجنوب العالمي مساحة أكبر


