تستعد برلين لاختبار صواريخ “كروز” طورتها أوكرانيا لاستخدامها ضمن قواتها المسلحة، وهو ما يمثل علامة فارقة محتملة في التعاون الدفاعي الأوروبي وفي جهود ألمانيا لتحديث جيشها.
تُعد خطط ألمانيا لشراء صواريخ أوكرانية تحولًا مهمًا في مسار التعاون الدفاعي الأوروبي؛ إذ تستعد برلين للحصول على صواريخ “كروز” من طراز “بارس” (Bars) -التي تتميز بتكلفتها المنخفضة وطورتها أوكرانيا- لاستخدامها من قبل الجيش الألماني (البوندسفير).
من المتوقع إبرام الاتفاق في الأسابيع المقبلة، ليصبح بذلك أول عملية شراء معروفة لسلاح هجومي أوكراني الصنع من قبل الجيش الألماني، مما يعكس اهتمامًا أوروبيًا متزايدًا بالتكنولوجيا التي أثبتت كفاءتها في ساحات القتال الأوكرانية.
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة “فاينانشال تايمز”، تعتزم السلطات الألمانية شراء دفعة أولية من صواريخ “بارس” لإجراء اختبارات فنية عليها مطلع العام المقبل، مع إمكانية طلب مئات الصواريخ الإضافية في حال أثبتت التجارب نجاحها.
وتأتي هذه المبادرة كجزء من جهود ألمانيا الأوسع لتعزيز قدراتها في مجال الضرب بعيد المدى، ودعم قدرات الردع الأوروبية في مواجهة روسيا.
ما هو صاروخ “بارس” (Bars) الأوكراني؟
“بارس” -وهو اسم يعني “نمر الثلوج” باللغة الأوكرانية- عبارة عن سلاح يعمل بمحرك نفاث ومصمم لتنفيذ ضربات بعيدة المدى.
ويصل المدى الأقصى لهذا النظام -وفقًا للتقارير- إلى 1000 كيلومتر، ويمكنه حمل رأس حربي يصل وزنه إلى 105 كيلوغرامات، حسب الطراز.
ورغم أن مسؤولين أوكرانيين يصفون “بارس” أحيانًا بأنه “صاروخ-طائرة مسيرة” (drone missile)، إلا أن سلطات الدفاع الألمانية تصنفه كصاروخ “كروز” منخفض التكلفة.
وقد أشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى “بارس” باعتباره أحد الأسلحة التي تستخدمها القوات الأوكرانية لضرب قواعد عسكرية ومنشآت طاقة داخل الأراضي الروسية.
من جانبه، وصف فابيان هوفمان، الباحث الأول في المعهد النرويجي للدراسات الدفاعية، صاروخ “بارس” بأنه أكثر صواريخ “كروز” منخفضة التكلفة إنتاجًا في أوكرانيا.
وأشار إلى أن سجل استخدامه العملياتي يمنح السلطات الأوكرانية والألمانية معلومات وافية حول أداء السلاح وموثوقيته.
وهذه الخبرة المكتسبة قد تجعل من “بارس” خيارًا جذابًا للدول التي تبحث عن أنظمة ميسورة التكلفة يمكن إنتاجها ونشرها بأعداد كبيرة.
ألمانيا تخطط لاختبارات أولية قبل إبرام صفقة شراء أكبر
تعتمد استراتيجية ألمانيا في شراء الصواريخ الأوكرانية على البدء بعملية استحواذ محدودة، بدلًا من اللجوء إلى شراء كميات كبيرة دفعة واحدة. ستتيح الدفعة الأولية للجيش الألماني (البوندسفير) تقييم الأداء الفني للصواريخ خلال تجارب من المقرر إجراؤها في أوائل عام 2027.
وإذا جاءت النتائج مطابقة للمتطلبات العسكرية، فقد تمضي برلين قدمًا في طلبية تشمل مئات الصواريخ.
ويعكس هذا النهج تحولًا أوسع في سياسة المشتريات الدفاعية الألمانية؛ إذ بات المسؤولون أكثر استعدادًا لاختبار التقنيات الناشئة قبل استكمال إجراءات الاستحواذ الطويلة والمعقدة.
ولسنوات طويلة، واجه نظام المشتريات العسكرية في ألمانيا انتقادات بسبب التأخيرات البيروقراطية والاعتماد المفرط على شركات التصنيع الدفاعي التقليدية.
ويُعد مقترح صواريخ “بارس” (Bars) دليلًا على انفتاح برلين المتزايد على التعاون مع الشركات الأصغر حجمًا والشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الدفاعية.
مشروع مشترك أوكراني-ألماني يوسع نطاق إنتاج الصواريخ
تُصنَّع صواريخ “بارس” حاليًا في ألمانيا من خلال مشروع مشترك أوكراني-ألماني، تأسس في إطار مبادرة “البناء مع أوكرانيا” (Build with Ukraine).
وقد أطلق الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذه المبادرة العام الماضي، بهدف توسيع نطاق إنتاج الأسلحة الأوكرانية خارج الحدود الوطنية.
ويساعد التصنيع في الخارج على زيادة القدرة الإنتاجية، مع تقليل مخاطر تعرض المنشآت الدفاعية داخل أوكرانيا للهجمات الروسية.
كما يتيح هذا التعاون للمصنعين الأوكرانيين تبادل الخبرات مع شركائهم الأوروبيين، وربما الوصول إلى أسواق الدفاع التابعة لحلف الناتو.
ولا تزال عمليات هذا المشروع المشترك محاطة بقدر كبير من السرية.
ومع ذلك، فقد سُلِّمت الدفعة الأولى من صواريخ “بارس” -التي جرى تمويلها وتصنيعها في ألمانيا- إلى أوكرانيا في شهر أكتوبر.
ومن المتوقع الآن أن تقوم المنشأة أيضًا بتصنيع صواريخ لصالح القوات المسلحة الألمانية.
ومن شأن ذلك أن يحول الشراكة -التي كانت تركز في المقام الأول على دعم الدفاع الأوكراني- إلى تعاون متبادل يعود بالنفع على كلا البلدين.
حلفاء الناتو يتجهون بشكل متزايد نحو التكنولوجيا الدفاعية الأوكرانية
ولا تقتصر مساعي استكشاف الأنظمة العسكرية المطورة في أوكرانيا على ألمانيا وحدها.
فقد أبدت عدة دول أعضاء في حلف الناتو، بما في ذلك الدنمارك وإستونيا ولاتفيا، اهتمامًا بشراء أسلحة أوكرانية.
وفي الشهر الماضي، أعلنت الدنمارك أنها ستستحوذ على تسع مركبات أرضية مسيرة من طراز “دروبلا” (Dropla) لأغراض الاختبار.
كما اتجهت الولايات المتحدة أيضًا نحو شراء تكنولوجيا أوكرانية.
ففي الشهر الماضي، منح الجيش الأمريكي عقدًا بقيمة 10 ملايين دولار للفرع الأمريكي للشركة الأوكرانية “سكايتون” (Skyeton) لتوريد طائرات الاستطلاع المسيرة من طراز “راي بيرد” (Raybird).
ومن جانبها، أبدت ألمانيا أيضًا اهتمامًا بنظام “راي بيرد”. تُظهر هذه التطورات كيف بات قطاع الصناعات الدفاعية الأوكراني -في ظل ظروف الحرب- مصدرًا للتكنولوجيا الموجهة للقوات المسلحة الغربية، بدلًا من كونه مجرد متلقٍ للمساعدات العسكرية الأجنبية.
برنامج ألمانيا للتسلح بقيمة 780 مليار يورو يدفع عجلة المشتريات العسكرية
يأتي مقترح ألمانيا بشراء صواريخ لأوكرانيا ضمن إطار جهود أوسع لتحديث الجيش الألماني، بتكلفة إجمالية تبلغ 780 مليار يورو على مدى السنوات الخمس المقبلة.
وتعمل برلين على توسيع ترسانتها من الأسلحة بعيدة المدى، استجابةً للغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، ومخاوف بشأن مدى موثوقية الالتزامات الأمنية الأمريكية في ظل رئاسة دونالد ترامب.
ووفقًا للتقرير المصدر، فقد أصبحت ألمانيا أكبر مزود للمساعدات العسكرية لأوكرانيا، وذلك في أعقاب تقليص الدعم الأمريكي خلال فترة إدارة ترامب.
وفي الوقت ذاته، تسعى برلين إلى تعزيز قدراتها العسكرية الذاتية.
وقد وقعت الحكومة اتفاقية أولية للحصول على صواريخ “توماهوك” (Tomahawk) المجنحة أمريكية الصنع، من إنتاج شركة “رايثيون” (Raytheon).
وجاء هذا القرار بعد أن ألغى ترامب خططًا لنشر كتيبة عسكرية أمريكية مجهزة بصواريخ “توماهوك” في ألمانيا.
غير أن هذه الأسلحة الأمريكية باهظة التكلفة، كما تواجه قيودًا في الإنتاج قد تؤدي إلى تأخير عمليات التسليم حتى ثلاثينيات القرن الحالي.
وقد دفعت هذه التحديات مسؤولي الدفاع الألمان إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة، يمكن تصنيعها بكميات أكبر.
صواريخ “بارز” (Bars) و”أنثيم” (Anthem) كبدائل منخفضة التكلفة لصواريخ “توماهوك”
إلى جانب صواريخ “بارز”، تخطط ألمانيا للحصول على عدد محدود من صواريخ “أنثيم” (Anthem) المجنحة، التي طورتها شركة “كوفينانت” (Covenant) الأمريكية الناشئة في مجال الدفاع.
وكانت الشركة قد أعلنت أيضًا عن إبرام اتفاقية مع الدنمارك الأسبوع الماضي.
وتشير التقديرات إلى أن تكلفة صاروخ “أنثيم” تبلغ نحو عُشر تكلفة صاروخ “توماهوك”، الذي يتراوح سعره عادةً بين 4 و6 ملايين دولار.
ووفقًا لمصدر مطلع على عملية الشراء المقترحة، فإن صواريخ “بارز” تعد أقل تكلفة حتى من صواريخ “أنثيم”.
ولا يزال المسؤولون الألمان منفتحين على خيار الحصول على كلا النظامين.
أما صفقة محتملة أخرى، كانت تتعلق بشراء صواريخ “فلامينغو” (Flamingo) المجنحة من أوكرانيا، فقد تم تعليقها في الوقت الراهن.
ويعكس هذا التوجه رغبة ألمانيا في الجمع بين صواريخ متطورة وعالية التكلفة، وأنظمة أخرى أرخص ثمنًا ومناسبة للنشر على نطاق أوسع.
الجيش الألماني يسعى لتعزيز قدراته في الضربات بعيدة المدى
وقد أوضح كريستيان فرويدينغ، قائد القوات البرية الألمانية، مؤخرًا المبررات العسكرية وراء السعي للحصول على أسلحة بعيدة المدى ذات تكلفة منخفضة. دون ذكر نظامي “بارس” (Bars) أو “أنثيم” (Anthem) بالاسم، أوضح أن مثل هذه الأنظمة يمكن أن تشكل مكملًا لصواريخ كروز التقليدية عالية الأداء.
وقد وصف فرويدينغ قدرة مستقبلية تتيح الاشتباك مع أهداف على مسافات تصل إلى نحو 1500 كيلومتر، وذلك باستخدام أعداد كبيرة من الأسلحة بهدف إرباك الدفاعات الجوية للعدو.
وتعكس هذه المسافة وصفًا عامًا لفئة الأسلحة المخطط لها، ولا تشير بالضرورة إلى المدى الأقصى المعلن لنظام “بارس” بحد ذاته.
وأشار إلى أن صواريخ كروز الأكثر تكلفة سيتم تخصيصها للأهداف ذات الأهمية الاستراتيجية.
وتعكس هذه الاستراتيجية مساعي ألمانيا لتحقيق توازن بين امتلاك قدرات متطورة وبين القدرة على الاحتفاظ بمخزونات أكبر عددًا.
الأسلحة الأوكرانية قد تعيد تشكيل مشهد المشتريات الدفاعية في أوروبا.
تسلط خطط ألمانيا لشراء صواريخ من أوكرانيا الضوء على تحول أوسع في العلاقات الدفاعية الأوروبية.
فقد طورت الصناعات الدفاعية الأوكرانية أسلحتها وصقلتها في ظل ظروف الحرب، مما أكسبها خبرة باتت تحظى بتقدير متزايد لدى الجيوش الأوروبية.
وبالنسبة لألمانيا، قد يتيح الحصول على نظام “بارس” الوصول إلى منظومة ضرب بعيدة المدى منخفضة التكلفة نسبيًا، مع تعزيز التعاون الصناعي مع أوكرانيا في الوقت ذاته.
أما بالنسبة للمصنعين الأوكرانيين، فقد يفتح هذا الترتيب بابًا لدخول أسواق المشتريات الخاصة بحلف الناتو، ويؤسس لشراكات تجارية طويلة الأمد.
ولا يزال الاتفاق خاضعًا لمفاوضات نهائية، كما أن أي عملية شراء واسعة النطاق ستعتمد على نتائج الاختبارات الفنية التي يجريها الجيش الألماني (البوندسفير).
وفي حال نجاح هذه الخطوة، قد تؤسس عملية استحواذ ألمانيا على نظام “بارس” لنموذج جديد من التعاون الدفاعي الأوروبي، تصبح فيه الأسلحة المطورة في أوكرانيا جزءًا من الترسانات العسكرية لدول حلف الناتو.
تخطط برلين للحصول على صواريخ كروز منخفضة التكلفة من طراز بارس Bars لاستخدامها لدى الجيش الألماني، مع بدء دفعة أولية للاختبار قبل أي توسع محتمل
بحسب التقرير، ستجري التجارب الفنية مطلع العام المقبل، بينما يُتوقع تنفيذ الاختبارات خلال أوائل عام 2027 ضمن الدفعة الأولية
نعم، فإذا أثبتت التجارب نجاحها ومطابقة النتائج للمتطلبات العسكرية فقد تطلب ألمانيا مئات الصواريخ الإضافية


