تحل اليوم الثلاثاء، 27 أكتوبر، ذكرى إلغاء مصر اتفاقية الحكم الثنائي المصري البريطاني للسودان، في خطوة اتخذتها حكومة مصطفى النحاس باشا عام 1951، وسط تصاعد المواجهة مع بريطانيا بشأن الجلاء عن الأراضي المصرية ومستقبل السودان السياسي.
وجاء القرار تتويجًا لتحرك برلماني بدأ في 15 أكتوبر 1951، عندما أقر البرلمان المصري إلغاء معاهدة عام 1936 مع بريطانيا واتفاقية الحكم الثنائي للسودان الموقعة عام 1899، في مسعى لإنهاء الترتيبات السياسية والعسكرية التي قيدت السيادة المصرية.
ومثّل إلغاء الاتفاقيتين تحولًا بارزًا في مسار العلاقات المصرية البريطانية، إذ ربطت القاهرة بين إنهاء الوجود البريطاني على أراضيها وإعادة النظر في الوضع القانوني والسياسي للسودان، في إطار رؤية مصرية تقوم على وحدة وادي النيل.
اتفاقيتا 1936 و1899.. جذور الخلاف
تعود خلفية القرار إلى معاهدة عام 1936، التي نظمت العلاقات بين مصر وبريطانيا، وحددت إطارًا للوجود العسكري البريطاني في مصر، لكنها لم تُنهِ الخلافات بشأن النفوذ البريطاني أو مطالب الحركة الوطنية المصرية باستعادة السيادة الكاملة والجلاء عن البلاد.
أما السودان، فقد خضع منذ عام 1899 لنظام الحكم الثنائي المصري البريطاني، الذي أرسى ترتيبات مشتركة لإدارة البلاد، بينما احتفظت بريطانيا بنفوذ واسع في شؤونها السياسية والإدارية، ما جعل مستقبل السودان محورًا رئيسيًا للخلاف بين القاهرة ولندن.
ومع تصاعد الحركة الوطنية المصرية، اتجهت حكومة مصطفى النحاس إلى إلغاء الاتفاقيتين، في خطوة استهدفت تغيير واقع العلاقة مع بريطانيا وإعادة طرح مسألة السيادة على السودان.
السودان بين وحدة وادي النيل وتقرير المصير
لم يقتصر أثر القرار على العلاقات المصرية البريطانية، بل أعاد فتح النقاش حول مستقبل السودان، في ظل تمسك القاهرة بفكرة وحدة وادي النيل، مقابل تنامي المطالب السودانية بتحديد مستقبل البلاد السياسي.
وعكست هذه التطورات تداخل قضيتي الاستقلال المصري ومستقبل السودان في مرحلة شهدت تصاعدًا في المطالب الوطنية بإنهاء النفوذ البريطاني، لتصبح خطوة الإلغاء واحدة من المحطات المهمة في تاريخ العلاقات بين مصر والسودان وبريطانيا.

مصطفى النحاس يختار المواجهة مع بريطانيا
في عام 1951، ومع تعثر المفاوضات مع بريطانيا بشأن الجلاء عن مصر وتسوية قضية السودان، اتجهت حكومة مصطفى النحاس باشا إلى البرلمان لإقرار إلغاء معاهدة عام 1936 واتفاقية الحكم الثنائي المصري البريطاني للسودان الموقعة عام 1899، في خطوة عكست انتقال القاهرة من المسار التفاوضي إلى المواجهة السياسية المباشرة.
وحظي القرار بتأييد قطاعات واسعة من الحركة الوطنية المصرية، التي اعتبرته إعلانًا لرفض استمرار القيود التي فرضتها الاتفاقيات السابقة، وتأكيدًا لحق مصر في استعادة سيادتها وإعادة صياغة علاقاتها مع بريطانيا بعيدًا عن ترتيبات الماضي.
في المقابل، رفضت لندن الاعتراف بالإلغاء من جانب واحد، ما أبقى الخلاف قائمًا بشأن الوضع القانوني للاتفاقيتين ومستقبل الوجود البريطاني. ولم يكن الموقف المصري بدوره محل إجماع داخل السودان، حيث تعددت التيارات السياسية بين قوى تمسكت بالاستقلال الكامل، وأخرى اختلفت رؤيتها بشأن طبيعة العلاقة المستقبلية مع مصر.
وبذلك، لم يضع القرار حدًا للأزمة، بل نقلها إلى مرحلة جديدة من المواجهة السياسية والدبلوماسية، في ظل خلافات بشأن شرعية الإلغاء والآليات التي ينبغي أن تحدد مستقبل السودان.
إعلان وحدة مصر والسودان.. رؤية القاهرة تصطدم بمطالب الاستقلال
عقب إلغاء الاتفاقيتين، اتخذت الحكومة المصرية خطوات سياسية ودستورية لتأكيد تمسكها بوحدة مصر والسودان، وأُعلن الملك فاروق ملكًا على البلدين، في تعبير عن الرؤية المصرية التي استندت إلى الروابط التاريخية والجغرافية بين ضفتي وادي النيل.
لكن هذه الرؤية لم تحظَ بإجماع القوى السياسية السودانية، إذ برزت مطالب تؤكد ضرورة أن يحدد السودانيون مستقبل بلادهم بإرادتهم، بعيدًا عن النفوذ البريطاني أو فرض ترتيبات سياسية لا تعبر عن تطلعاتهم.
وكشف هذا التباين عن اختلاف جوهري بين موقف القاهرة، الذي ربط وحدة وادي النيل بإنهاء النفوذ البريطاني، وبين تيارات سودانية جعلت الاستقلال وتقرير المصير أولوية سياسية متزايدة.
وهكذا، تجاوزت قضية السودان حدود الخلاف المصري البريطاني حول اتفاقيات تاريخية، لتصبح ساحة تتداخل فيها حسابات التحرر الوطني والمصالح الإقليمية مع تطلعات السودانيين إلى إقامة دولة مستقلة وتحديد مستقبلهم السياسي.
اتفاق 1953 يمهد الطريق لاستقلال السودان
لم يحسم قرار إلغاء اتفاقيتي عام 1951 مستقبل السودان، لكنه أسهم في فتح مرحلة جديدة من التحركات السياسية والمفاوضات بين القاهرة ولندن، انتهت بالتوصل إلى اتفاق في 12 فبراير 1953، وضع إطارًا لفترة انتقالية تمهد للحكم الذاتي، وتتيح للسودانيين اختيار مستقبلهم السياسي.
ومع دخول الاتفاق حيز التنفيذ، شهد السودان تحولات متسارعة في الحياة السياسية، وصولًا إلى إعلان البرلمان السوداني الاستقلال في ديسمبر 1955، ثم إعلان استقلال البلاد رسميًا في الأول من يناير 1956، لتنتهي بذلك مرحلة الحكم الثنائي التي بدأت عام 1899.
ومثّل استقلال السودان حصيلة سنوات من الصراع السياسي والتفاوض بين مصر وبريطانيا، إلى جانب تنامي دور الحركة الوطنية السودانية ومطالبها بتقرير المصير، لتبدأ البلاد مرحلة جديدة بوصفها دولة مستقلة.
قرار 1951.. محطة في مسار التحرر الوطني
تكشف أحداث أكتوبر 1951 عن الترابط الوثيق بين قضية الجلاء عن مصر ومستقبل السودان، في مرحلة كانت فيها القاهرة تسعى إلى إنهاء النفوذ البريطاني وإعادة صياغة العلاقات السياسية في وادي النيل.
ورغم الأهمية السياسية لقرار الإلغاء، فإن تداعياته أظهرت أن حسم قضايا السيادة ومستقبل الدول لا يتوقف على القرارات القانونية وحدها، بل يتأثر أيضًا بتوازنات القوى وتطور الحركات الوطنية وتطلعات الشعوب إلى تقرير مصيرها.
وبينما عكس القرار المصري رفض استمرار الترتيبات التي فرضها النفوذ البريطاني، أكدت التطورات اللاحقة أن استقلال السودان ارتبط كذلك بنمو الحركة السياسية السودانية وإصرارها على تحديد مستقبل البلاد.
وهكذا، مثّل أكتوبر 1951 محطة بارزة في تاريخ العلاقات المصرية البريطانية وتاريخ وادي النيل، لا باعتباره نهاية فورية للصراع، بل خطوة ضمن سلسلة من التحولات السياسية التي انتهت باستقلال السودان في الأول من يناير 1956.
قررت مصر إلغاء معاهدة عام 1936 مع بريطانيا واتفاقية الحكم الثنائي المصري البريطاني للسودان الموقعة عام 1899
لأنه أنهى الترتيبات السياسية والعسكرية التي قيدت السيادة المصرية وفتح نقاشًا جديدًا حول مستقبل السودان وعلاقته بمصر
أدى ذلك إلى اتفاق في 12 فبراير 1953 ثم إعلان البرلمان السوداني الاستقلال في ديسمبر 1955 وإعلان الاستقلال رسميًا في الأول من يناير 1956


