في تطور علمي يثير التساؤلات حول مستقبل الذهب وأسعاره عالميًا، أعلنت شركة أمريكية متخصصة في تقنيات الاندماج النووي نجاحها في تحويل الزئبق إلى ذهب مستقر، في خطوة أعادت إلى الأذهان حلم الخيميائيين القدماء بتحويل المعادن إلى المعدن النفيس.
لكن هل تمثل هذه التجربة بداية نهاية هيمنة الذهب، أم أن الطريق لا يزال طويلًا أمام إنتاجه بتكلفة تنافس المناجم؟
إحياء حلم تحويل المعادن إلى ذهب
أعلنت شركة «ماراثون فيوجن» في أكتوبر 2026 نجاحها، بحسب ما ذكرته، في تحويل الزئبق إلى ذهب مستقر، مشيرة إلى تحقيق معدل إنتاج يتجاوز بنحو عشرة أضعاف رقمًا سبق أن رصدته المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية «سيرن».
ومع ذلك، لا تزال هناك تساؤلات مهمة بشأن الإعلان، إذ لم تُنشر بيانات كافية ومستقلة تؤكد كمية الذهب الناتجة أو التكلفة الفعلية لإنتاجه، ما يجعل من المبكر اعتبار التجربة تحولًا تجاريًا قادرًا على تغيير سوق المعدن الأصفر.
وتعمل الشركة على تطوير تقنيات مرتبطة بالطاقة النووية الاندماجية، التي يُعوّل عليها مستقبلًا في توليد الكهرباء، وتقوم فكرتها على الاستفادة من النيوترونات عالية الطاقة الناتجة عن تفاعلات الاندماج لإحداث تحولات نووية في المواد المستخدمة.
الذهب الناتج لا يكفي لصناعة مجوهرات
لم تكن فكرة تحويل المعادن إلى ذهب مجرد خيال علمي؛ ففي مايو 2025، أعلنت المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية رصد تحول نوى الرصاص إلى نوى ذهب داخل مصادم الهادرونات الكبير.
وأظهرت التجارب التي أُجريت بين عامي 2015 و2018 إنتاج نحو 86 مليار نواة ذهب، بكتلة إجمالية بلغت قرابة 29 بيكوجرامًا، وهي كمية بالغة الضآلة لا تصلح للاستخدام التجاري.
ورغم إثبات إمكانية التحويل النووي، فإن العملية تتطلب تقنيات معقدة ومكلفة، كما أن النوى الناتجة لم تتحول إلى سبائك قابلة للبيع، وهو ما يوضح الفارق الكبير بين إثبات الإمكانية العلمية وتحقيق إنتاج اقتصادي واسع النطاق.
هل ينافس الذهب المصنّع إنتاج المناجم؟
تتوقف الإجابة على قدرة الشركات على تطوير مفاعلات اندماج نووي تجارية، وتحقيق إنتاج مستقر بتكلفة تنافسية، وتشير تقديرات نظرية إلى إمكانية إنتاج أطنان من الذهب سنويًا في بعض تصميمات المفاعلات المستقبلية، لكن هذه الأرقام تظل مرتبطة بافتراضات هندسية لم تتحول بعد إلى صناعة تجارية قائمة.
ووفق بيانات مجلس الذهب العالمي، بلغ المعروض العالمي من الذهب نحو 5002 طن خلال عام 2025، منها 3672 طنًا من إنتاج المناجم و1404 أطنان من الذهب المعاد تدويره، مع احتساب أثر تحوط المنتجين.
وتوضح هذه الأرقام أن إنتاج الذهب نوويًا، حتى وفق بعض السيناريوهات النظرية، لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير جوهري في السوق إذا اقتصر على مفاعل واحد، بينما قد تتزايد آثاره إذا أمكن تشغيل عشرات المفاعلات بكفاءة وتكلفة مناسبة.
الإشعاع والتكلفة يهددان حلم الذهب الرخيص
لا تتوقف التحديات عند حجم الإنتاج، إذ قد تحتوي بعض نواتج التحويل النووي على نظائر مشعة تتطلب تخزينًا طويلًا قبل أن تصبح مناسبة للاستخدام التجاري، وقد تصل المدة في بعض السيناريوهات إلى نحو 18 عامًا.
ويعني ذلك تحمل تكاليف إضافية للتخزين والتأمين والرقابة، إلى جانب الاستثمارات الضخمة المطلوبة لتطوير مفاعلات الاندماج وتشغيلها.
هل يتكرر سيناريو الألماس الصناعي؟
تثير التجربة مقارنات مع الألماس المصنّع في المختبرات، الذي أدى توسع إنتاجه إلى انخفاض كبير في أسعاره وإعادة تشكيل سوق الأحجار الكريمة.
لكن المقارنة لا تعني أن الذهب يسير بالضرورة في الاتجاه نفسه؛ فالذهب ليس مجرد معدن يُستخدم في المجوهرات، بل يمثل أيضًا أصلًا استثماريًا واحتياطيًا لدى البنوك المركزية، ويخضع تداوله لمعايير محددة للنقاء والجودة.
وفي ظل غياب إنتاج تجاري واسع النطاق للذهب المصنّع نوويًا، تظل هيمنة المناجم قائمة، بينما يبقى مستقبل هذه التقنية مرهونًا بإثبات جدواها الاقتصادية وقدرتها على توفير كميات كبيرة وآمنة بتكلفة تنافسية.
أعلنت الشركة أنها نجحت في تحويل الزئبق إلى ذهب مستقر في أكتوبر 2026، وقالت إن معدل الإنتاج لديها يتجاوز بنحو عشرة أضعاف رقمًا سبق أن رصدته سيرن
ليس بعد؛ لأن الإعلان لم يُدعَم ببيانات مستقلة كافية عن كمية الذهب المنتجة أو التكلفة الفعلية لإنتاجه، لذلك يعد من المبكر اعتباره تحولًا تجاريًا مؤثرًا في السوق
لأن التجارب السابقة أظهرت كميات ضئيلة جدًا لا تصلح تجاريًا، كما أن العملية تحتاج تقنيات معقدة ومكلفة وقد تنتج نظائر مشعة تتطلب تخزينًا طويلًا قبل الاستخدام


