تحت وطأة الصورة النمطية للمرأة “التي لا تُقهر”، تدفع آلاف النساء ضريبة باهظة في الخفاء، ضريبة تآكل الروح واستنزاف الطاقات من أجل الحفاظ على تماسك بيوتهن وعلاقاتهن، فمنذ الطفولة تُغرس في الوجدان فكرة أن قيمة الأنثى تُقاس بقدرتها على التضحية واحتواء أزمات الجميع وحل المشكلات دون شكوى أو تذمر، حتى يتحول العطاء التلقائي الصادق بمرور الوقت إلى “واجب إجباري”، وتجد المرأة نفسها تقوم بدور “الإسفنجة” التي تمتص أحزان كل من حولها دون أن تجد مساحة لنفسها.
وتجسد هذا المأزق الإنساني الشائع بوضوح خلال حديثي مع صديقتى عبير أحمد، وهي سيدة في أواخر الثلاثينيات، تعمل وتتحمل مسئولية بيت وأطفال، وضعت عبير يدها على أزمة صامتة تنهش أرواح الكثيرات حين قالت بمرارة:
“أشعر بالإرهاق طوال الوقت، لكنه ليس إرهاقًا جسديًا عاديًا، بل استنزاف داخلي مخيف، فقد اعتاد كل من حولي بما فيهم زوجي وأطفالي وحتى زميلاتي في العمل، أنني الشخص الذي يحل كل شيء ويحتوي الأزمات ولا يشتكي، ولا يقول لا لأي طلب، أجد نفسي مسئولة عن راحة الجميع، وإذا تعثر أحدهم أو حزن، أشعر بأنني قصرت في حقه، ولكنني بدأت أشعر بنوبات غضب داخلية، ونفور مفاجئ من أقرب الناس إليّ، يعقبه شعور مرير بالذنب، كيف لي أن أغضب منهم وهم يحبونني ويحتاجون إليّ؟ وتتساءل بمرارة هل أصبحت أنانية وسيئة؟”.
أنتِ لستِ أنانية.. بل نفد وقودك الداخلي
لكل امرأة تبتلع دموعها خوفًا من أن تُوصف بالتقصير: لستِ أنانية، ولستِ سيئة على الإطلاق بل أنتِ ببساطة إنسانة نفد وقودها الداخلي بالكامل، ففي التشخيص النفسي، لا تُصنف هذه المشاعر على أنها تبدل في طباعكِ المحبة، بل هي العرض الأبرز لما يُعرف بـ “متلازمة المُنقذ” “The Rescuer Syndrome”، والتي تؤدي حتما إلى الاحتراق النفسي الصامت، تلك النوبات المباغتة من الغضب والنفور ليست شرًا دفينًا يتوجب جلد الذات، بل هي “جهاز إنذار” فطري يُطلقه جهازكِ العصبي ليصرخ نيابة عنكِ: “كفى.. لقد استُهلكتُ حتى النخاع ولم يعد في الوعاء قطرة واحدة لأمنحها”.
إن الوقوع في فخ الشعور بالمسئولية عن مشاعر وسعادة البالغين المحيطين بنا هو خطأ تربوي ونفسي نقع فيه بحسن نية، فحمل مهام الآخرين نيابة عنهم وحمايتهم من مجرد التعثر لا يُنهككِ وحدكِ فحسب، بل يُعطل نضجهم وقدرتهم على الاعتماد على أنفسهم، كما أن ربط قيمتك الذاتية واستحقاقك للحب بمدى إلغاء رغباتك، هو السبب الحقيقي لذلك الذنب الزائف كلما أردتِ قول “أنا متعبة”.
روشتة أطباء وعلماء النفس.. كيف تستردين توازنكِ النفسي
يؤكد خبراء وأطباء الصحة النفسية، أن استعادة التوازن والسلام الداخلي لا تبدأ بمحاربة العالم، بل برسم حدود هادئة وشجاعة تحميكِ من استنزافه، وحين يدعو الأطباء إلى وضع تلك الحدود فإنهم يقدمون لكِ خارطة طريق عملية لاسترداد الذات، في أربع خطوات جوهرية:
1. تعلمي أن تقولي “لا”
فيرى المتخصصون أن رفض ما يفوق طاقتك ليس معركة يجب خوضها بل درع حماية، قوليها بلطف حاسم ومختصر، دون أن تستنزفي طاقتك في تقديم اعتذارات طويلة أو مبررات دفاعية لمن لا تستدعي ظروفهم تدخلك المباشر.
2. فك الارتباط بين تعثر الآخرين وتقصيرك
ويُشدد أطباء النفس على ضرورة تفكيك الارتباط الشرطي الذي يربط مشاعر الآخرين بتقصيرك، فغضبهم أو تعثرهم ليس دليلًا على إهمالك، بل هو جزء من دورة الحياة الطبيعية التي تفرض على كل إنسان أن يخوض معاركه الخاصة بمفرده.
3. التنازل عن دور “المدير العام لحياة الجميع”
كما ينصح الخبراء بضرورة إعادة توزيع الأدوار داخل البيت، والتوقف التام عن الوصاية الإدارية على كل تفاصيل الأسرة، ومنح الزوج والأبناء مساحتهم لتحمل مسئولياتهم ومهامهم اليومية كاملة.
4. اقتطاع مساحة يومية مُقدسة
يوصي علماء النفس بكسر حلقة العطاء غير المشروط عبر تخصيص وقت يومي غير قابل للمساس أو التفاوض، وقت يكون ملكًا خالصًا لكِ وحدكِ لإعادة شحن بطاريتك النفسية والجسدية بعيدًا عن أي التزامات أسرية أو متطلبات وظيفية.
وختامًا لتعلمي عزيزتي، أنه لطالما روجت ثقافة مجتمعاتنا لصورة “الشمعة التي تحترق لتضيء دروب الآخرين”، باعتبارها غاية النبل والتفاني، لكن الحقيقة الغائبة هي أن الشمعة حين تنصهر تمامًا، تغرق في الظلام وتخلف وراءها الرماد، وحينها لن يملك المستضيئون بنورها إلا أن يواصلوا مسيرهم بحثًا عن ضوء آخر.
ومن هنا تكتسب كلمات الكاتب الإنساني الكبير عبد الوهاب مطاوع، قيمتها كوصية بليغة لكل امرأة أرهقها العطاء فكان يردد دائمًا، “ارحمي نفسكِ ليرحمكِ من حولكِ.. فلا أحد يقدّر الإنسان الذي لا يُقدّر كرامة راحته وصحته، كوني نبعًا يفيض بالحب دون أن يجف، ولا تطلبي المستحيل من طاقة بشرية محدودة كتب الله عليها الضعف كما كتب عليها القوة”.
وأخيرًا عزيزتي المرأة، أنتِ لم تُخلقي لتحترقي، بل لتضيئي وتعيشي الحياة بكامل بهجتها وحيويتها، اخلعي درع “البطل الخارق”، واعترفي بحقكِ الإنساني والمشروع في الضعف، والتعب، وطلب المساعدة، فمن يحبكِ بصدق يريدكِ شريكة وًامًا معافاة ومطمئنة، لا قربانًا يُذبح كل يوم على مذبح العطاء المجاني.
هي حالة نفسية ترتبط بالشعور الدائم بالمسئولية عن مشاعر وسعادة الآخرين وحمل أعبائهم نيابة عنهم حتى يصل الشخص إلى الاحتراق النفسي الصامت
من خلال وضع حدود هادئة وشجاعة تبدأ بتعلم قول لا لما يفوق الطاقة وفصل تعثر الآخرين عن الشعور بالتقصير وإعادة توزيع الأدوار داخل البيت وتخصيص وقت يومي خاص بها
لأنهن يربطن قيمتهن الذاتية واستحقاقهن للحب بمدى التضحية وإلغاء الرغبات الخاصة بهن مما يجعل قول أنا متعبة سببًا للشعور بالذنب الزائف


