الفيلم المصري لمحمد حماد يحصد جائزة أفضل فيلم روائي طويل في الدورة التاسعة.. وحكاية «سمعان» تفتح نافذة على الذاكرة والجراح الإنسانية

في انتصار جديد للسينما المستقلة، توج الفيلم المصري «خروج آمن» للمخرج محمد حماد بجائزة أفضل فيلم في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، ليؤكد أن قيمة التجارب السينمائية لا تُقاس بحجم إنتاجها أو أسماء نجومها، بقدر ما ترتبط بقدرتها على تقديم حكاية صادقة تلامس الإنسان وتطرح أسئلة تتجاوز حدود الشاشة.

ويقدم «خروج آمن» تجربة مختلفة في تناول الخوف والذاكرة والعزلة النفسية، من خلال حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها طبقات من الألم الإنساني، وتبحث عن إمكانية استعادة الحياة بعد سنوات من الانكسار. فالفيلم لا يتعامل مع الصدمة باعتبارها حدثًا عابرًا ينتهي بانتهاء أسبابه، وإنما يرصد آثارها الممتدة على الإنسان، وكيف يمكن لتجربة قاسية في الطفولة أن تظل حاضرة في تفاصيل حياته اليومية.

تدور الأحداث حول «سمعان»، حارس أمن قبطي شاب يعمل بإحدى البنايات السكنية في وسط القاهرة، ويحاول أن يجد لنفسه مساحة خاصة بعيدًا عن صخب المدينة، فيقضي لياليه في كتابة القصص، متمسكًا بحلم نشر روايته الأولى. لكن خلف هدوئه وانطوائه تختبئ جراح قديمة، بعدما شهد في طفولته مقتل والده على يد جماعة إرهابية متطرفة، وهي التجربة التي تركت داخله آثار اضطراب ما بعد الصدمة، وجعلته يعيش أسيرًا للخوف والذكريات.

وتتغير ملامح يومه عندما يلتقي «فاطمة»، وهي شابة تدخل حياته بصورة مفاجئة، لتنشأ بينهما صداقة غير تقليدية تفتح ثغرة في الجدار الذي بناه حول نفسه. لا يقدم الفيلم هذه العلاقة بوصفها حلًا سحريًا لأزماته، ولا يدعي أن أيامًا قليلة قادرة على محو سنوات من الألم، بل يراهن على أثر اللقاءات الإنسانية العابرة، التي ربما لا تغير حياة أصحابها بالكامل، لكنها تمنحهم فرصة لرؤية العالم من زاوية مختلفة.

محمد حماد: ولائي الأول والأخير للفيلم

وخلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب عرض الفيلم في مهرجان الجونة، بحضور المنتجة خلود سعد، وأداره أحمد عامر، تحدث محمد حماد عن فلسفته في الكتابة واختيار الممثلين، مؤكدًا أن الشخصيات التي يصنعها تنطلق من إحساسه الشخصي بها، وأن المعيار الأساسي في اختيار من يجسدها هو مدى ملاءمته للدور، بعيدًا عن حسابات الشهرة والنجومية.

وأوضح أن رودينا، التي تجسد شخصية «فاطمة»، صديقة مقربة له، بينما وجد في مروان وليد، منذ اللقاء الأول، الممثل المناسب لتقديم شخصية «سمعان»، إلى جانب مشاركة فنانين معروفين في العمل. وأشار إلى أن صناعة الأفلام المستقلة تفرض متطلبات خاصة، أبرزها التزام الممثلين وتفرغهم لفترات طويلة، وإيمانهم بالمشروع، إذ تحتاج هذه التجارب إلى بروفات ممتدة ومرونة في مواعيد التصوير.

وأضاف أن فريق العمل يتعامل مع الفيلم باعتباره تجربة تُصنع بحساسية شديدة، أشبه بالأعمال اليدوية «هاند ميد»، حيث تتطلب التفاصيل وقتًا وجهدًا وصبرًا، وهو ما يجعل اختيار الممثل المناسب ضرورة فنية، وليس مجرد قرار مرتبط بحجم حضوره الجماهيري.

فاطمة.. طيف يعيد سمعان إلى الحياة

وتوقف حماد عند طبيعة العلاقة بين بطلي الفيلم، موضحًا أنه تعمد الإبقاء على قدر من الغموض حول شخصية فاطمة وخلفيتها، فلم يمنحها تاريخًا تفصيليًا، لتبدو مثل طيف يظهر في حياة سمعان لفترة قصيرة، لكنه يترك أثرًا لا يمكن تجاهله.

وقال إن سمعان يبدو، في نظره، كإنسان فقد جزءًا كبيرًا من إحساسه بالحياة، بينما تمنحه فاطمة شيئًا من الروح التي تساعده على العودة إلى العالم من جديد. ومع ذلك، حرص المخرج على ألا تتحول العلاقة إلى قصة تغيير جذري وسريع، بل إلى مساحة من التلقائية تسمح للشخصيتين بالتقارب دون افتعال أو مبالغات درامية.

عشر سنوات بين فيلمين.. ونصيحة داود عبد السيد

وكشف المخرج أن عودته إلى السينما بعد فيلمه السابق لم تكن مخططة لتستغرق كل هذه السنوات، إذ كان يعمل على مشروع آخر وصل إلى مرحلة الاستعداد للتنفيذ، قبل أن تتعثر الموافقات اللازمة له. وفي تلك الفترة، لجأ إلى المخرج الراحل داود عبد السيد طلبًا للنصيحة، فجاءه الرد مختصرًا ومباشرًا: «شوف غيره».

ورغم ما حملته النصيحة من إحباط في البداية، قرر حماد تجاوز التجربة والبحث عن حكاية جديدة، حتى وصل إلى «خروج آمن». كما دافع عن الإيقاع الهادئ الذي يميز أفلامه، معتبرًا أنه انعكاس لطريقته في النظر إلى الحياة، وأن لكل مخرج لغته الخاصة التي لا ينبغي أن تخضع بالضرورة لإيقاع واحد أو لقواعد تجارية ثابتة.

وفي جوهره، يحمل «خروج آمن» دعوة إلى التسامح ورفض العنف بمختلف أشكاله، من خلال الاقتراب من إنسان أنهكته تجربة قاسية، ومحاولة فهم ما يختبئ خلف صمته. ومن هنا تكتسب الجائزة التي حصدها الفيلم في الجونة أهمية تتجاوز لحظة التتويج، لتسلط الضوء على سينما تراهن على التفاصيل الصغيرة والصدق الإنساني، وتؤكد أن الأفلام المستقلة قادرة على الوصول إلى الجمهور حين تمتلك حكاية تستحق أن تُروى.

الأسئلة الشائعة

حصد الفيلم المصري خروج آمن جائزة أفضل فيلم في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي

تدور القصة حول سمعان حارس أمن قبطي شاب يعيش أسير الخوف والذكريات بعد مقتل والده في طفولته على يد جماعة إرهابية متطرفة

يحمل الفيلم دعوة إلى التسامح ورفض العنف بمختلف أشكاله عبر الاقتراب من إنسان أنهكته تجربة قاسية ومحاولة فهم ما يختبئ خلف صمته