ليست هذه خريطة حوار جغرافية، ولا دليلا سياحيا لغشماء الطرقات.. بل هي تحذير مبكر ومجاني لكل من يسير بقدميه نحو مجازات تحولت إلى أسوار، وأحياء كانت تشع نورا فأصبحت تشع نارا. في مصر، ثمة شوارع تدلك عليها اللوحات، وشوارع أخرى تدلك عليها الندوب.. شوارع أريقت على جنباتها دماء الكلمة، وحُرقت فيها سجاجيد الفكر، ولم يعد يتنفس فيها الهواء سوى الصخب الموجه. إذا قررت الدخول إلى هذه الشوارع، فاحتفظ بعقلك جانبا.. أو اقرأ هذه السطور أولا.

اعتبر هذه نصيحة أو تلميحة.. لكنها في كل الأحوال ليس فيها افتراء، فما أذكره هو واقع تلك الشوارع، أو ربما يكون الوصف أقل حدة مما سأقول، فقد تحولت من شوارع الجنة إلى شوارع من نار..

الشارع الأول.. الثقافة
قبل أن تدخله عليك الأخذ بنصبحة: “شد البنطلون”.. ففي مخيلتك أنك ستري في هذا الشارع منازل العقاد وطه حسين والمنفلوطي ومحفوظ والبساطي، وربما تلتقي بطيف يحيى حقي أو تجلس في حضرة أمل دنقل وفؤاد حداد.. لا تتخيل! فستجد مواخير، أحدهم افتتح واحدا سماه “نزوات الكاتب”.. والآخر رد عليه في هذه المواخير كل ما لا يمكن أن تتخيله من البذاءة والركاكة.. وهذا من المفترض أنه أعرق تجمع لأصحاب الأقلام باختلاف إبداعاتهم، حيث تحول النقد إلى زار، والجوائز الأدبية إلى توزيع تركات بين الحبايب.
في نفس الشارع قهوة “النكت الأدبي”.. كلهم يضحكون ومهما دققت لن تصل إلى صاحب النكتة فكلهم يتحدثون في لحظة واحدة، وعقولهم صامتة في لحظة واحدة أيضا! على اليمين ستجد تدجينا من نوع خاص وضع في دستور كحبر على ورق، وستخرج من هناك دون الإجابة على أي سؤال؟.

في آخر الشارع تقف مؤسسات وأبنية الوزارة توزع بيانات “كمنيوهات” المطاعم على المارة.. تطبع بيانات التنديد والاستنكار كوجبات سريعة، وتعاود تجميعها بعد خطوات من على الأرض لتنظيف الشارع من فضلات الورق!.

الشارع الموازي هو شارع الصحافة
تظن هناك أن هيكل وأحمد بهاء الدين وعلي أمين ومكرم محمد أحمد، وجلال الدين الحمامصي ومصطفى أمين، ينتظرونك على منصة صاحبة الجلالة كفرسان للكلمة.. تجتهد في ترتيب هيئتك وكلماتك لتليق بالقلعة.. لكن ما إن تدخل إلا وستجد تراشقا بالحجارة داخل قلعة الحريات، حيث أصبح مانشيت الصفحة الأولى أعمق من عقول محرريها.
ستجد كل شيء فيه ما عدا الكلمة.. ستجد إعلانات عن السجاد والشامبو في صفحات الرأي! حينما تسير قليلا ستجد بيوتا متشابهة بأسماء مختلفة.. أشخاصا يلقون الأموال من النوافذ مقابل التصفيق، وآخرين يتضورون جوعا.
لا يسحب رخصتك ضابط المرور فقط، ولكن يمكن لأي شخص إيقافك ما دمت عضوا عاديا ولست عضو “و”، أو ليس لديك كفيل يمنحك صك الغفران. في الـ “هناك” الذي أحدثك عنه لا حديث مطلقا عن مهنة الصحافة ولا عن أخلاقيات النشر، لكن ثمة مريض ينازع أو ربما جثمان لم يدفن بعد و”عدودات” على المانشيتات.. لا أحد يستدعي طبيبا أو سيارة إسعاف ولا أحد يجلب حانوتيا.. روح معلقة بين السماء والأرض، وحولها نجوم وتخوم من الشعارات الزائفة وتغطيات المهرجانات.

إياك والولوج في شارع الإعلام
فأهون بك أن تدخل مدينة الإعلام بالعجوزة أو شارع الإعلام بعزبة الصفيح على أن تدخل هناك.. فهناك يحشون الرؤوس تبنا ويضعون قشا في الآذان، ويستضيفون الفلكيين لفك شفرات الاقتصاد! وحتى تعيش هناك مالكا أو مستأجرا أو حتى مقيما لأيام عليك أن تسلم عقلك لذلك العامل الذي يقف كمن يقفون أمام المساجد.. تسلم العقل وتأخذ رقما وتجلس في انتظارات السامعين.. فلست بحاجة إليه، التفكير هناك جريمة سوء سلوك!.
الكلام واحد والسياق واحد ولست بحاجة إلى تفكير، فأنت خبير استراتيجي ومتخصص في كل شيء متى حفظت القواعد ورطنت بنفس المصطلحات والمعزوفة المعلبة.
هناك لا فرق بين أبو جلابية وأبو حمالات ولا “أن تكون” ولا حتى متعدد اللغات أو خريج الجامعات الأجنبية، غير في المنطوق ونبرة الصوت، أما المكتوب في الورقة واحد.

شارع الفن
زمان يا فن.. زمان أيام أم كلثوم وعبد الوهاب وفاتن حمامة وشادي عبد السلام ومحمود مرسي.. الآن: لوكيشن واحد وسيناريو واحد وأبطال يتغيرون بنفس عمليات التجميل وصورة ثابتة باهتة بلا طعم ولا ملامح.
فلاحات بمكياج كامل ومساحيق تعمي العيون في قلب الغيط، ومهرجانات إطلالات وريد كاربت وأسئلة مستفزة عن مصممي الفساتين، وخلاف حاد على البطانات والفساتين الشفافة، بينما “السقا مات” وضرب الظمأ الأرض وانفض العرض واختفت السينما الحقيقية.. والكلام كله بات معاد ومكرر ومصنوع للتريند لا للتاريخ!

قبل أن تطأ قدمك هذا الشارع، انزع عنك أوهام معمل أحمد زويل، وانس كشوفات علي مصطفى مشرفة.. لا تتخيل أنك ستسمع هنا مناقشات في الميكانيكا الكمية أو نقد الفلسفة الإغريقية، بل ستجد سرادقات معروضة لبيع “المراجع” بالجملة والقطاعي، ومكتبات تكتب الرسائل العلمية بالوزن وتحت الطلب!.

ستشاهد دكاترة ينشغلون بترتيب أسمائهم على أبحاث لم يقرأوا عناوينها، ويتصارعون على “نقاط الترقية” كما يتصارع التجار في سوق الجمعة. في هذا الشارع، أعمق الأبحاث هي التي تطبع على أوراق أثقل، وأهم النتاجات العلمية هي التي تتكدس فوق رفوف المكتبات ليقتات عليها العث. ستمر على مناقشة ماجستير تجد فيها رئيس اللجنة يوبخ الطالب ليس على منهاج أبحاثه، بل لأنه نسي أن يضع اسمه في إهداء الصفحة الأولى! أما عن دعم البحث العلمي، فستجد صندوقا صغيرا لملمة الفكة على ناصية الشارع مكتوب عليه: “أغيثوا المعامل”.. بينما تذهب ميزانيات الكليات لتجديد أثاث المكاتب ومهرجانات التكريم المصنوعة لالتقاط الصور.

تخرج من هذه الشوارع المتهالكة محملًا بغبار الخيبة، لتطرح على نفسك السؤال الأكثر إيلامًا: ماذا تبقى لمصر بعدما تُحرق سجاجيد الفكر، وتتحول قلعة الصحافة إلى دكاكين تصفيق، ويستحيل الإعلام إلى صدى صوت واحد، ويُختصر الفن في صراعات البطانات والتريندات؟.

ماذا تبقى لبلدٍ كان يُصدّر النور والكلمة والنغم للعالم أجمع؟ هل أصبحت القوة الناعمة مجرد ذكريات مغبرة في أرشيفات الماضي، وحفنات من الصور الأبيض والأسود نتحسر عليها كلما أزعجنا صخب الحاضر؟.

تبقى لمصر شيء واحد لا يستطيع كل هذا العبث أن يمحوه: روح شعبها العصي على التدجين الكامل، وتاريخها الممتد في أصل الأرض. تبقى الجذور الضاربة في العمق، والأقلام الشابة التي تكتب في العتمة بعيدًا عن أضواء المؤسسات التهريجية. تبقى القناعة بأن هذا الركام الطارئ، مهما امتدت أسواره وسادت ركاكته، ليس سوى فقاعة صابون في عمر دولة صنعت الفكر والثقافة قبل أن تعرف الشوارع أسماءها.

الأسئلة الشائعة

تناول المقال شوارع الثقافة والصحافة والإعلام والفن والبحث العلمي بوصفها مجالات أصابها التدجين والركاكة وتحولت من مساحات للإبداع إلى صور مشوهة.

وصفه بأنه أصبح مليئا بالتراشق والحجارة داخل قلعة الحريات وأن مانشيت الصفحة الأولى صار أعمق من عقول محرريه مع حضور الإعلانات بدل الكلمة.

أكد أن ما يحدث مجرد ركام طارئ وفقاعة صابون لن تمحوها هذه الحالة العبثية لأن مصر ما زال فيها روح شعبها وتاريخها والجذور الضاربة في العمق.