﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ صدق الله العظيم (العنكبوت: 20).
في 12 أكتوبر الجاري وقف عالم الحفريات الصيني شوجونغ شين من جامعة نانجينغ أمام الجمعية الأمريكية للجيولوجيا في مدينة دنفر يعرض مع زملائه نموذجاً أسماه الفريق «وان ستراتا»، وبعد ثمانية أيام نشرت مجلة نيتشر تقريراً عنه بوصفه سجلاً حفرياً شاسعاً يتحدى الحكاية التي توارثناها عن الانقراضات الخمسة الكبرى في تاريخ الأرض.
والفكرة في أصلها بسيطة وعميقة معاً، فقد أخذ الباحثون معمارية المحولات التي تقوم عليها النماذج اللغوية الكبرى، تلك التي تتعلم من ملايين النصوص كيف تترابط الكلمات في الجمل، ودربوها هذه المرة على مشاهدات الطبقات الصخرية المبعثرة في قارات متباعدة، ثم على تعاقب الطبقات في الموقع الواحد، وتواجد الأنواع بعضها مع بعض، والنوافذ الزمنية، والتواريخ الإشعاعية الدقيقة.
فتعلم النموذج من هذا كله تمثيلاً احتمالياً للزمن الجيولوجي نفسه، ثم أعاد بناء منحنى التنوع الحيوي في البحار عبر نحو 600 مليون سنة، من الإدياكاري إلى بداية النيوجين، مستعيناً بنحو 2 مليون و 800 ألف سجل حفري لأكثر من 180 ألف نوع جاءت من أكثر من واحد وثلاثين ألف مقطع صخري حول العالم.
وأنا أقرأ الخبر لم يشغلني النموذج في ذاته، فالنماذج تتوالى كل أسبوع حتى كادت أخبارها تتشابه، لكن شغلني ما كشفه عن حكاية كنا نظنها من المسلمات، حكاية كيف تنتهي العوالم.
ولا ندرك قيمة ما جرى حتى نفهم أولاً كيف تُقرأ الأرض، فالحفريات حروف، وطبقات الصخور الرسوبية صفحات، وكلما نزلنا أعمق عدنا أبعد في الزمن، غير أن الأرض لم تحفظ مذكراتها مرتبة في مجلد واحد، وإنما تركتها ممزقة بين عشرات الآلاف من المواقع، فظلت مهمة الجيولوجيين منذ قرنين أن يجمعوا هذه الصفحات المبعثرة في كتاب واحد مرتب زمنياً.
وكانت الطريقة التقليدية لهذا الجمع تعامله بوصفه مسألة تحسين توافقي، تجرب ترتيباً بعد ترتيب حتى تستقر على أنسبها، وهي طريقة تلتهم قدرة أقوى الحواسيب العملاقة حين تتجاوز الأنواع 10 آلاف نوع.
فلجأ العلماء إلى حل عملي قاسٍ، إذ قسموا الزمن إلى قطاعات عريضة يبلغ متوسط الواحد منها نحو 7 ملايين و 400 ألف سنة بحسب مراجعة عرضها العالم تشارلز مارشال، وبهذه التقطيعة العريضة يذوب الحدث القصير داخل القطاع الطويل، وتغيب عن العين كل دينامية تدور في آلاف السنين أو عشرات آلافها، كما تذوب تفاصيل الصورة حين تضغطها في خانات قليلة.
وخلف الخطوة الجديدة صبر لا يقل إبهاراً عن البراعة الحسابية، فالفريق قضى عقدين كاملين في تجميع قاعدة «وان ستراتيغرافي» قبل أن يولد النموذج نفسه، وفي ذلك درس صامت لزمن العجلة مفاده أن المعرفة الكبرى ما تزال تُبنى بطيئاً.
ثم جاءت الخطوة الأولى المبهرة عام 2020 حين نشر الفريق في مجلة ساينس إعادة بناء لشريط التنوع الحيوي من الكمبري إلى بداية الترياسي ضمت أكثر من 11 ألف نوع بحري من 3 آلاف و 112 موقعاً بدقة زمنية بلغت 26 ألف سنة، وهي دقة لم يسبق إليها يومها، وأما «وان ستراتا» فقد نقل المسألة كلها من التحسين التوافقي إلى التعلم التمثيلي، فتجاوز السقف القديم وغطى نحو 600 مليون سنة بدقة متوسطة مقدرة بآلاف السنين.
لكن ماذا وجد النموذج حين رسم الشريط العظيم؟
قبل الجواب يجب إنصاف الصورة القائمة يا عزيزي القارئ، لأن الانقراضات الـ 5 الكبرى كانت منذ 4 عقود المحطات المرجعية التي تُقرأ بها أحوال الحياة، ولم يقل أحد من العلماء يوماً إنها جميعاً حدثت بالطريقة نفسها، فقد عرف كثير من الباحثين الديفوني المتأخر ممتداً على نبضات عبر ملايين السنين.
وعرفوا نهاية الطباشيري خاطفة بضربة كويكب، وظل إيقاع كل حدث وآليته ميدان جدل لم ينقطع، والجديد هنا أن الأحداث الـ 5 وضعت أخيراً في منحنى عالمي واحد بدقة آلاف السنين، فأمكنت مقارنتها بمقياس واحد لأول مرة.
وفي هذا المنحنى لا يظهر بوصفه انهياراً عالمياً عميقاً للتنوع البحري إلا حدثان، الأول نهاية الأوردوفيشي والثاني نهاية البرمي، ذلك الذي يسميه العلماء الموت العظيم لأنه محا ما يقرب من تسعة أعشار الأنواع البحرية، بينما تبدو الأحداث الثلاثة الأخرى في هذا المقياس أضعف أثراً وأكثر انتشاراً في الزمن.
وهنا يجب أن أنزه القلم قبل أن يتسرع قارئ إلى خلاصة عريضة، فالمنحنى العالمي يصف شكل التنوع الكلي في البحار، لا آلية الموت في كل موقع ولا أحوال اليابسة، وما ينعّمه المقياس العالمي من حدة قد تلتقطه السجلات المحلية الدقيقة، وكثير من المواقع المدروسة بعناية فائقة توثق نبضات انقراض مركزة في نهاية البرمي والترياسي والطباشيري.
والسجل الحفري نفسه أرشيف ناقص لا إحصاء كامل، فأكثر الكائنات لا تتحجر، والصخور الحافظة ليست موزعة بعدل بين العصور.
والأهم من ذلك كله أن ما عرض في دنفر ملخص مؤتمر لم يمر بعد بمراجعة الأقران الكاملة، وقد سماه شين ثورة حقيقية في دراسة الطبقات، بينما قال ماثيو كلابهام من جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز إنه قد لا يكون حدثاً يهز الأرض، وبين الوصفين تقف الأمانة العلمية.. «نتيجة واعدة تنتظر الاختبار لا حكماً نهائياً»، ومع ذلك يبقى الجوهر الذي لا ينتظر، وهو أن سؤالاً ظنه كثيرون محسوماً عاد مفتوحاً على مصراعيه: كيف ماتت تلك العوالم؟
وعند هذا الموضع تحديداً وجدت نفسي أخرج من الخبر إلى ما هو أعمق منه، فالذي يعاد بحثه هنا ليس تاريخ الحياة وحده، وإنما صورتنا عن النهايات.
نحن أبناء الدراما يا عزيزي القارئ، تربينا على أن العوالم تنتهي بضربة، حجر من السماء، يوم واحد فاصل، جملة أخيرة، لأن الضربة حدث يُرى ويُحكى، وأما الأفول البطيء فلا حدث فيه يقف عليه الخبر.
جيل يسلم إلى جيل عالماً أنقص قليلاً، فلا يشعر أحد بلحظة الانكسار لأن الانكسار لم يكن لحظة، وإنما كان مزاجاً عاماً للأشياء وهي تخفت.
وإن صحت القراءة الجديدة، وهي ما تزال في طورها الأول، فمعناها أن بعض أعظم النهايات في سجل الأرض لم يكن حريقاً خاطفاً، وإنما كان تسرباً طويلاً، طويلاً إلى حد أن من عاشوا داخله ظنوه حياة عادية، وأحسب أن هذه الصورة أقل ابهاراً من صورة الكويكب وأكثر إقلاقاً، لأنها تقول إن العالَم يمكن أن يحتضر وصباحاته تبدو طبيعية، وأن من يعيشون في قلب التحول قد يكونون آخر من يلحظه، تماماً كما يلاحظ شين في قراءته أن عصور الازدهار نفسها لم تكن أكثر حصانة من عصور الشح، فالوفرة ليست درعاً والامتلاء ليس وعداً.
وثمة مرآة أخيرة في هذا الخبر تستحق الوقوف عندها، مرآة العقل الذي يقرأ.. لأن الآلة هنا ليست بطل الحكاية وإنما عدستها، والذي تغير بين الأمس واليوم ليس الحجارة ولا الموتى القدامى، وإنما أداة قراءتنا، وكلما صقل البشر أدوات القراءة أعادت الأرض سرد حكايتها بصياغة أدق، وكأنها كتاب لا يُقرأ مرة واحدة.
يقرأه كل جيل بالمصباح الذي معه فيجد فيه ما لم يره من قبله.
وفي الحكاية مفارقة تزيدها عمقاً، لأن فكرة الانقراضات الخمسة الكبرى نفسها لم تكن بديهة قديمة، وإنما أثبتها التحليل الإحصائي قبل 4 عقود تقريباً حين قرأ ديفيد روب وجاك سيبكوسكي السجل الحفري بأدوات عدّ جديدة يومها، فتحولت من فرضية جريئة إلى فصل محفوظ في كل كتاب مدرسي.
واليوم يعود التحليل الإحصائي نفسه بأداة أحدث ليسأل الكتاب المدرسي سؤالاً جديداً، وهكذا تمضي المعرفة، كل يقين حلقة في سلسلة من القراءات لا نهاية لها، ولعل في هذا درساً يتجاوز الجيولوجيا إلى كل معرفة.
الفصول التي ظنناها محكمة الغلق انفتحت بمجرد أن قُرئت بعين جديدة، وهذا هو حال العلم الحقيقي، يزدهر حين يشك في يقينه، ويشيخ حين يقدس مسوداته الأولى.
وقد أمرنا القرآن الكريم أن نسير في الأرض فننظر كيف بدأ الخلق، وها هم العلماء يفعلون حرفياً ما أمرت به الآية، يسيرون في طبقات الأرض ويقرأون في الحجر ما كتبه الخالق قبل أن توجد عين تقرأ.
فإذا كان الحجر نفسه يحتمل إعادة القراءة والتصحيح، فما بالنا بحكاياتنا التي لا شاهد لها من صخر؟
أقف هنا بينما يظل سؤالي الأخير معلقاً لا تكفيه مقالة ولا يعجله جواب: أترى النهايات العظيمة تفجؤنا حقاً من حيث لا نحتسب، أم أنها تمضي ببطء من حولنا في صمت، ونحن نسمي أيامها أياماً عادية، فلا ننتبه إلا حين تكون الحكاية قد انتهت؟
أعاد النموذج رسم التنوع الحيوي البحري عبر نحو 600 مليون سنة بدقة آلاف السنين تقريباً، وأظهر أن الانهيار العالمي العميق لا يبدو واضحاً إلا في حدثين هما نهاية الأوردوفيشي ونهاية البرمي
اعتمد على نحو 2 مليون و800 ألف سجل حفري لأكثر من 180 ألف نوع جاءت من أكثر من واحد وثلاثين ألف مقطع صخري حول العالم
لا، فالخبر المعروض في دنفر كان ملخص مؤتمر ولم يمر بعد بمراجعة الأقران الكاملة، لذلك بقيت النتيجة واعدة وتنتظر الاختبار لا حكماً نهائياً


