ثمة فارق جوهري بين أن يكون الإنسان مشهورًا وأن يكون إعلاميًا، وبين أن يمتلك جمهورًا واسعًا وأن يمتلك القدرة على مخاطبة هذا الجمهور بمسؤولية ووعي. وقد أصبح الخلط بين المفهومين أحد مظاهر الارتباك الذي أصاب المشهد الإعلامي، بعدما غدت أرقام المتابعة والمشاهدة، في بعض الأحيان، معيارًا للحضور والتقدير، دون التفات كافٍ إلى طبيعة المحتوى أو قيمته أو مدى التزام صاحبه بأصول العمل الإعلامي.

وليس المقصود من هذا الحديث التقليل من شأن صناع المحتوى، أو إنكار ما أتاحته المنصات الرقمية من فرص جديدة للتعبير والتواصل، وإنما التذكير بأن الإعلام مهنة لها أصولها، ورسالة لها مقتضياتها، ومسؤولية لا تختزل في القدرة على جذب الانتباه أو تحقيق الانتشار. فليس كل من يقف أمام الكاميرا إعلاميًا، وليس كل من يتابعه الملايين قادرًا على أداء الدور الذي تضطلع به وسائل الإعلام في حياة المجتمعات.

يا دكتور ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، ما المفهوم الذي ننطلق منه ونحن نتحدث عن الإعلام؟ وما المعايير التي ينبغي أن تحكم اختيار من يمثلون هذا المجال أو يشاركون في مناقشة مستقبله؟ هل أصبح امتلاك قاعدة جماهيرية كبيرة كافيًا لمنح صاحبها صفة التأثير الإعلامي، أم أن الأمر يستدعي النظر إلى الخبرة والمعرفة والممارسة المهنية، وإلى طبيعة الرسالة التي يقدمها كل شخص؟

إن الإعلام في معناه المهني يتجاوز مجرد نقل الأخبار أو التعليق على الأحداث. إنه عملية متكاملة تبدأ بالبحث عن المعلومة من مصادرها، والتحقق من صحتها، ثم تقديمها في سياقها الصحيح، وشرح خلفياتها، وإتاحة المجال أمام تعدد الآراء، ومناقشة القضايا العامة بقدر من الموضوعية والاتزان. والإعلام، فوق ذلك كله، ذاكرة المجتمع التي تحفظ وقائعه وتحولاته، ومساحة للحوار بين أبنائه، ووسيلة تعين المواطن على فهم ما يجري حوله، وتمنحه المعرفة اللازمة لتكوين رأيه بعيدًا عن التضليل والشائعات.

ولذلك، فإن ممارسة الإعلام تتطلب قدرًا من الثقافة والوعي، وإلمامًا بالشؤون العامة، وقدرة على البحث والتحليل، والتزامًا بالدقة والتوازن، فضلًا عن احترام أخلاقيات المهنة وإدراك تبعات الكلمة. فالإعلامي لا يتعامل مع الجمهور باعتباره أرقامًا تضاف إلى رصيد المشاهدات، وإنما يخاطب عقولًا ووجدانًا، ويتحمل مسؤولية ما يقدمه من معلومات وآراء. وقد يختلف المتلقي معه في الرأي أو التقدير، لكن ذلك لا يلغي ضرورة أن يكون ما يطرحه قائمًا على معرفة ومهنية.

أما صناعة المحتوى، فهي مجال مختلف، تتعدد أشكاله وأهدافه، ويشمل الترفيه والتعليم والتسويق وعرض التجارب الشخصية ومراجعة المنتجات والخدمات. وقد قدم هذا المجال نماذج جادة وناجحة، استطاعت أن تضيف إلى حياة الناس معرفة أو خبرة أو متعة، كما أتاح لأصحاب المواهب فرصًا لم تكن متاحة من قبل. غير أن هذا التنوع لا يبرر وضع جميع أنماط المحتوى في مرتبة العمل الإعلامي، ولا يجعل النجاح في جذب المتابعين دليلًا تلقائيًا على امتلاك أدوات المهنة.

والفارق لا يتعلق بالوسيلة المستخدمة، فالإعلامي يستطيع أن يقدم عمله عبر منصة رقمية، وصانع المحتوى قد يقدم مادة تتسم بالدقة والعمق والجدية، وإنما يتعلق بطبيعة ما يُقدَّم، والمنهج الذي يحكمه، ومدى الالتزام بالتحقق من المعلومات واحترام عقل الجمهور. فالمعيار الحقيقي هو قيمة العمل ومضمونه، لا عدد المتابعين، ولا حجم التفاعل الذي يحققه صاحبه.

ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى التمييز بين المحتوى الذي يضيف معرفة، وذلك الذي يكتفي بإثارة الجدل واستدعاء الانتباه. فقد اتخذت بعض الحسابات من السخرية والتنمر والإساءة وسيلة لتحقيق الانتشار، فيما باتت بعض المراجعات التجارية تثير تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين الرأي الشخصي والإعلان المدفوع. وقد تداولت أوساط مختلفة تقديرات مالية مرتفعة مقابل بعض أعمال الترويج ومراجعة المنتجات، وصلت في حالات إلى أكثر من ستمائة ألف جنيه. وهي أرقام لا يصح التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة دون تحقق، لكنها تفتح بابًا مهمًا للنقاش حول ضرورة الإفصاح عن المصالح التجارية، حتى يكون الجمهور على بينة من طبيعة ما يشاهده.

ولا يعني ذلك أن نضع صناع المحتوى جميعًا موضع اتهام، أو أن نضيق المجال أمام حرية التعبير، وإنما أن تكون هناك قواعد واضحة تنظم المسؤولية، وتحمي الجمهور من التضليل، وتضمن تطبيق القانون على الجميع دون تمييز. فحرية التعبير لا تتعارض مع المساءلة، ولا تمنح أحدًا حصانة من تبعات ما ينشره أو يروّج له.

وفي خضم هذا الاهتمام المتزايد بمشاهير المنصات الرقمية، يبرز سؤال آخر: أين أصحاب الخبرة الإعلامية والصحفية من النقاش الدائر حول مستقبل المهنة؟ أين الصحفيون الذين أمضوا سنوات في متابعة الأحداث وكشف القضايا، والإعلاميون الذين راكموا خبرات طويلة في غرف الأخبار والاستوديوهات، والباحثون وأساتذة الإعلام الذين يمتلكون المعرفة العلمية بتاريخ المهنة وتحولاتها؟ هؤلاء جديرون بأن يكونوا في صدارة أي حوار جاد حول تطوير الإعلام، لا أن يتراجع حضورهم لمصلحة أسماء اكتسبت شهرتها من الانتشار الرقمي وحده.

يا دكتور ضياء رشوان، إن مسؤولية وزارة الدولة للإعلام تقتضي أن تكون أكثر حرصًا على ترسيخ المفاهيم المهنية، وأن تقدم نموذجًا واضحًا للفارق بين الشهرة والاستحقاق، وبين صناعة المحتوى وممارسة الإعلام. وليس في ذلك انتقاص من أحد، وإنما احترام لقيمة المهنة، وحفاظ على مكانة من أفنوا سنوات من أعمارهم في أدائها، وإقرار بحق الجمهور في إعلام يستحق ثقته.

إننا لا نحتاج إلى إقصاء جيل جديد أو إغلاق الأبواب أمام أدوات الاتصال الحديثة، بل نحتاج إلى وضع كل تجربة في موضعها الصحيح، والاستفادة من أصحاب المواهب والخبرات وفق معايير موضوعية. فصانع المحتوى الناجح يستحق التقدير في مجاله، والإعلامي المحترف يستحق التقدير في مجاله أيضًا، ولا ينبغي أن تطغى شهرة أحدهما على قيمة الآخر.

الإعلام في جوهره معرفة تسبق الكلام، ومهنية تضبط الأداء، ومسؤولية تحكم العلاقة مع الجمهور. وإذا أردنا تطوير الإعلام المصري، فعلينا أن نبدأ بتصحيح المفاهيم، وأن نعيد الاعتبار إلى الخبرة والكفاءة، وأن ندرك أن كثرة المتابعين لا تصنع إعلاميًا، مثلما أن الظهور المتكرر لا يمنح صاحبه بالضرورة حق تمثيل المهنة. فالمجتمعات لا تحتاج إلى من يشغل انتباهها فحسب، وإنما إلى من يساعدها على الفهم، ويضع أمامها الحقيقة، ويحترم حقها في المعرفة.

الرابط المختصر https://alhorianews.com/uafr

الأسئلة الشائعة

المقال يؤكد أن الشهرة وعدد المتابعين لا يكفيان لاعتبار الشخص إعلاميًا لأن الإعلام مهنة تقوم على الخبرة والمعرفة والتحقق والمسؤولية

يشدد المقال على البحث عن المعلومة من مصادرها والتحقق منها وتقديمها في سياقها الصحيح مع الموضوعية والدقة واحترام أخلاقيات المهنة

المقال يفرق بين صناعة المحتوى والعمل الإعلامي ويشير إلى ضرورة الإفصاح عن المصالح التجارية خاصة مع المراجعات المدفوعة حتى يكون الجمهور على بينة