في وسط زحام السوشيال ميديا، والأخبار والمواقف والآراء التي تتغير كل يوم، أصبحت أجد متعة خاصة في متابعة الفيديوهات التي تنشرها الفنانة المعتزلة شمس البارودي بشكل شبه يومي، فهى لم تلجأ إلى كاميرات احترافية، ولا إلى إعداد مسبق أو سيناريو مكتوب، فقط تقف أمام شباك أو في شرفة منزلها، وتشارك متابعيها مشاهد من الحياة التي نمر عليها أحيانا دون أن نلتفت إلى جمالها؛ السماء، والنيل، وشوارع القاهرة، وتفاصيل يوم عادي، لكنها تراه بعين مختلفة، عين إنسانة تبدو راضية ومتصالحة مع نفسها ومع الحياة.

لكن ما يستوقفني أكثر من تلك المشاهد الجميلة، هو ذلك الحب الكبير الذي لا تخفيه لزوجها وشريك عمرها الفنان الراحل حسن يوسف. ففي كل مرة تتحدث عنه، أشعر أننا أمام حكاية وفاء نادرة، لا تعرف حسابات الزمن ولا تنتهي برحيل أصحابها.

في ذكرى رحيله الثانية، التي حلت أمس، تحدثت شمس البارودي عنه بكلمات تحمل الكثير من المشاعر، وقالت إنه كان بمثابة ابنها ووالدها وحياتها، وإنه كان رفيق رحلتها منذ أن كان عمرها 26 عاما. وهي كلمات قد تبدو للبعض مبالغة عاطفية، لكنني أراها تعبيرا صادقا عن علاقة إنسانية امتدت لعقود، تشارك فيها اثنان تفاصيل العمر بحلوها ومرها، حتى أصبح وجود كل منهما جزءا أساسيا من حياة الآخر.

أعرف أن البعض انتقد تكرار شمس البارودي الحديث عن حسن يوسف، وربما تساءل لماذا لا تتوقف عن استعادة ذكرياته في كل مناسبة، لكنني أختلف تماما مع هذا الرأي. فمن حق الإنسان أن يتحدث عن حبيبه الراحل بالقدر الذي يريحه، ومن حقه أن يستعيد صوته وصورته وحكاياته، دون أن يشعر بأنه مطالب بإرضاء الآخرين أو الالتزام بجدول زمني للحزن والاشتياق.

الحب الحقيقي لا ينتهي بغياب صاحبه، والوفاء ليس مجرد كلمات تقال في ذكرى الرحيل، لكنه تفاصيل صغيرة تستمر في حياة من بقي. وشمس البارودي، في رأيي، لا تحاول أن تعيش في الماضي بقدر ما تحتفظ بجزء جميل منه، وتمنح زوجها الراحل مكانه الطبيعي في ذاكرتها ووجدانها.

ولعل أجمل ما في تجربتها أنها تبدو متصالحة مع تاريخها كله، وليس فقط مع ذكرياتها الزوجية. فعندما تتحدث عن مشوارها الفني وأعمالها القديمة، تفعل ذلك بهدوء وراحة، وتنشر صورا وذكريات من مراحل مختلفة في حياتها، دون أن تتعامل مع ماضيها باعتباره شيئا يجب إنكاره أو الهروب منه. إنها تدرك أن لكل مرحلة ظروفها وقيمتها، وأن الإنسان لا يمكنه أن يمحو سنوات من عمره لمجرد أنه اختار طريقا مختلفا بعد ذلك.

وهنا أتوقف أمام موقفها الأخير من تصريحات الفنانة والإعلامية نجوى إبراهيم بشأن الحشمة ومظهر بعض الفنانين، وهو موقف يكشف جانبا آخر من شخصية شمس البارودي، يتعلق بحرصها على مشاعر زملائها في الوسط الفني، حتى وهي تتفق مع المبدأ الذي تتحدث عنه نجوى إبراهيم.

فشمس لم ترفض فكرة الحشمة، لكنها كانت تتمنى أن تكون النصيحة والعتاب بصورة شخصية، وفي إطار من الخصوصية بينها وبين نقيب المهن التمثيلية، بعيدا عن أن يتحول الأمر إلى حديث عام قد يجرح مشاعر فنانين أو يضعهم في موضع الاتهام أمام الجمهور.

وهذا تحديدا ما أراه مهما في كلامها؛ فهي تفرق بين العمل الفني والسلوك الشخصي، وتؤمن بأن ما يقدمه الفنان على الشاشة لا يعني بالضرورة أنه يعكس حياته الخاصة أو أخلاقه، وأنه لا ينبغي لأحد أن يصدر أحكاما على الآخرين من مجرد أدوار يقدمونها. وفي النهاية، لا يعلم ما في القلوب إلا الله.

وأرى أنه من الإنصاف أن نتوقف أمام إنسانة اختارت الابتعاد عن الأضواء منذ سنوات طويلة، ولم تحاول العودة إليها من بوابة إثارة الجدل، بل أصبحت تشارك جمهورها لحظات بسيطة من حياتها، وذكرياتها مع زوجها، وصورا من تاريخها الفني، بكل هدوء وتلقائية.

وأعتقد أن لدينا هنا فرصة فنية وإنسانية مهمة، أتمنى أن ينتبه إليها أحد المنتجين أو المؤسسات المعنية بتوثيق ذاكرة الفن المصري، من خلال تقديم مشروع وثائقي كبير مع شمس البارودي، تسجل فيه بصوتها وصورتها حكاية رحلتها الفنية والإنسانية، منذ بداياتها وأبرز أعمالها وقرار اعتزالها، وصولا إلى حكايتها مع حسن يوسف، وذكرياتها مع جيل كامل من الفنانين الذين عاصرتهم وعاشت بينهم.

فشمس البارودي ليست مجرد فنانة اعتزلت الشاشة، لكنها صاحبة تجربة تستحق التوثيق، وحكاية من حكايات زمن فني وإنساني مهم.

وفي النهاية، ربما لا نحتاج دائما إلى نجوم يتحدثون عن نجاحاتهم وأرقامهم وأعمالهم، بقدر ما نحتاج إلى نماذج تذكرنا بأن الحب والوفاء والتصالح مع النفس قيم لا تفقد بريقها مهما تغير الزمن.

تحية لشمس البارودي، التي أثبتت أن بعض الحكايات لا تنتهي برحيل أصحابها، وأن الوفاء أحيانا يكون أجمل ما يتركه الحب وراءه.

الأسئلة الشائعة

قالت إنه كان بمثابة ابنها ووالدها وحياتها، وإنه كان رفيق رحلتها منذ أن كان عمرها 26 عاما

لم ترفض فكرة الحشمة نفسها لكنها كانت تتمنى أن تكون النصيحة والعتاب بصورة شخصية وفي إطار خاص بعيدا عن الحديث العام

لأن الكاتب يرى أنها صاحبة تجربة فنية وإنسانية تستحق التوثيق عبر مشروع وثائقي يسجل بداياتها وأعمالها وقرار اعتزالها وحكايتها مع حسن يوسف