هل تذكرون صديقي الذي كنت قد حدثتكم عنه في مقال “عظمة أن تكون غير مهم”.. حينها نصحته بأن راحته تبدأ حينما يعترف أنه “مالوش لازمة”، كلنا هكذا.. لكن البعض امتعض والبعض فلسف الأمر حتى أكده “البق”.

منذ أيام أخبرني صديقي أن ملك “البق”، أرسل فقط خمس حشرات من جيشه من “بيت” مهجور فتح بعد سنوات، ليحتلوا بيته، والعجيب أنهم نجحوا في ذلك وأخرجوه منه.. بعدما بارزهم بكل الوسائل الممكنة وغير الممكنة وأرداهم قتلى، لكنه ما زال في رحلة البحث عن “بيضهم”، وهذه مهمة شبه مستحيلة بل مستحيلة، فالحشرة بحجم حبة العدس.. فما هو حجم البيضة؟.

ولكي تتخيلوا حجم الفاجعة، دعوني أنقل لكم ما حدث بين صديقي وبين القائد الأعلى لكتائب الفراش؛ فقد وقف صديقي في منتصف الصالة يرتدي بيجامته، حاملًا راية بيضاء من الفوط القطنية، بينما استوى “ملك البق” شامخًا على حافة المرتبة، يمسح خرطومه بزهو.

بدأ صديقي المفاوضات بصوت يرتجف:
— “يا صاحب الجلالة.. ألا ترى أنكم استعجلتم طردي من بيتي؟ السرير سريري والمرتبة اشتريتها بقسط شهري!”.

فرد الملك بنفضة رجل ساخرة لا تليق إلا بحشرة تحتل غرفة نوم مجانًا:
— “عفوًا يا سيد الكوكب، القانون الدولي للبق صريح؛ أنت وإن حرصت على تهوية بيتك، تركت أمامك مكانًا مهجورًا وخلت أنه لن يصيبك منه الضرر، فأصبح ملكًا لنا وأصبح منزلك خطتنا للتوسع! نحن لم نطردك عبثًا، هذا حقنا التاريخي، ولم نأخذ سوى ضريبتنا الشرعية: قطرات من دمك الحار لنقيم بها حفل زفاف الأمراء!”.

هنا بلع صديقي ريقه وحاول إبرام صفقة الاستسلام:
— “طيب، ما رأيك في جلاء مشروط؟ نقتسم الغرفة مناصفة.. أنتم في شقوق الجدران وأنا على السرير؟ “.

فقهقه الملك حتى كاد يقع من فوق حافة السرير:
— “مناصفة؟! أتريد أن تتقاسم معي ملكي وأنت لا تملك حتى قدرة حك ظهرك أثناء النوم؟! الشروط غير قابلة للتفاوض: إما أن تسلم المفاتيح وتذهب لتتسول النوم على كنب الصالة، وإما أن نبقى لنضع الجيل الجديد في ثنايا سراويلك.. واعلم أن الدخول معنا في معركة كيميائية هو أسرع طريق لمصحة المجانين!”.

يحيلك التأمل في ظاهرة البق فورًا ودون أدنى جهد فكري، إلى الحديث عن الميليشيات المسلحة والجماعات الموازية للدولة؛ فالعلاقة بينهما ليست مجرد تشبيه أدبي، بل هي تطابق تام في “المنهج والأسلوب!”.

والعجيب أنك مهما قضيت على أفرادها في الميدان، يظل الخطر الأكبر مكتمنًا في “البيض المستتر” خلف الجدران، ذلك الفكر المتطرف والخلايا النائمة التي تنتظر أية لحظة غفلة أخرى لتعود وتستبيح الديار.. فالميليشيا ليست سوى “بق سياسي” يحول الوطن بأكمله إلى مجرد “مرتبة موبوءة” يُحرم أهلها من طعم الأمان والنوم!.

تأملوا معي هذا المشهد العبثي: الإنسان، الكائن المفترس الأعلى، سيد الكوكب، شاق الترع وباني الأهرامات، الذي يتأهب لاحتلال المريخ ويقضي يومه في مناقشة الذكاء الاصطناعي.. تجده يبكي بدل الدموع دمًا، ومطرودًا من بيته بالشرط العسكري، بفضل كائن مسطح بلا أجنحة، ولا يملك حتى قدرة على القفز، وطوله لا يتجاوز حبة عدس مهشمة!.

تلك هي المهزلة الكونية في أبهى صورها؛ نتوهم أننا ملوك العالم، حتى يبعث الله لنا حشرة تافهة، تملك خرطومًا أرق من سمام الإبرة، يثقب جلدنا الثخين في أظلم ليالي الشتاء، ليأخذ إتاوة الدم، ويتركنا نلطم خدودنا في الظلام ونطارد أطيافًا لا ترى!.

لم يكن صديقي أول المهزومين في هذه الحرب النكراء، فالتاريخ الأدبي مفروش بجثث الكبرياء التي صُرعت على مراتب النوم! لقد أرق البق مضاجع الأدباء والشعراء عبر العصور، حتى تحولوا إلى مؤرخين لهزائمهم الليلية.

أنشد أحدهم شاكيًا ليلة سوداء نزل فيها ببيت موبوء:

بتنا عذوبا وبات البق ينسبنا
نشوي القراح كأن لا حي بالوادي.

وقال آخر يصف هجوم هذه الكائنات التي لا تعرف الهدنة ولا اتفاقيات جنيف:

وبق إذا جن الظلام كأنه
زنابير لا يروي غليلهم الدم
إذا قلت أدركني الكرى وأنمته
أتتني كتائبه التي لا ترحم.

يقف صديقي اليوم متسلحًا بأعتى المبيدات والبخار الساخن، يفتش الشقوق وثنايا الخشب بحثًا عن “بيض البق”؛ في معركة وهمية تتجاوز حدود الفيزياء والبيولوجيا، وتتقاطع تمامًا مع معارك الشعوب ضد الميليشيات.

لقد وصل صديقي إلى أعلى مراتب الحكمة حين أدرك مبكرًا أنه “مالوش لازمة”.. لكن ملك البق أصر أن يختم له على هذا الاعتراف بالختم الأحمر والقرصات الحارقة. فالمأساة الحقيقية ليست في الحشرات التي قتلتها أو الميليشيات التي هزمتها في الميدان، بل في ذلك “البيض المجهول” الخفي في ثنايا الجدران والنفوس.

وسواء كنت تواجه كائنًا بحجم حبة العدس يحتل سريرك، أو ميليشيا مسلحة تجثم على صدر وطنك، فالمعادلة واحدة: إن أهملت الوعي، فستجد نفسك في النهاية غريبًا، تسير بجوار السور، تتسول النوم والأمان على الرصيف، حاملًا اعترافك المُر: “بأنك حقًا مالكش لازمة أمام من يتقنون سكن الشقوق واستنزاف الدماء”.

الأسئلة الشائعة

المقال يقارن بشكل ساخر بين احتلال البق للبيت وبين الميليشيات المسلحة والجماعات الموازية للدولة، باعتبارهما يشتركان في المنهج والأسلوب والخطر المستتر

البق احتل بيته بعد أن خرج منه رغم محاولاته قتله بكل الوسائل الممكنة، وما زال يبحث عن البيض المختبئ خلف الشقوق والجدران

الرسالة أن الخطر الحقيقي لا يكون فقط في الأفراد الظاهرين بل في البيض المستتر والخلايا النائمة التي تعود لتستبيح المكان عند أول غفلة