أتينا بغير الزمان
وغير المكانْ
فلا تعجبي يا نيانْ
إذا ما دخان السنينْ
تراكمَ حتى على الياسمين
فلم يبْقَ في الأرضِ شيءٌ أمينْ.
بهذه الأبيات المترعة بالمنفى ووحشة الأيام، يضعنا الشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد، أمام شظايا حكاية “نيان”؛ تلك التي تجرع معها مرارة الفراق حتى أطبق الصمت على آخره، فكتب رسالته المضمخة بالدموع والرضا القسري:
سَأُطفِئ شَمعِي كما ترغبين
وَأُرجِيء دمعي كما ترغبين
ويوم تدق العصافير بابك
قولي لها
تاه.. والتائهين.
هذا الوجع النازف لم يكن عابرًا، بل هو البوصلة التي تشير إلى أن العشق الحق، لا يورث سوى الخراب الجميل. ومن هذا الحطام، امتد صوت نزار قباني ليحفر في عمق الجرح، مستسلمًا لعصف الهوى بلا طوق نجاة:
وهل يستطيعُ المتيم بالعشق أنْ يستقيلا
وما همني، إنْ خرجت منَ الحب حيا
وما همني، إنْ خرجت قتيلا.
ثم يأتي محمود درويش ليقض مضاجع الروح، ضاغطا على ناصية الألم حتى ينفجر المعنى صرخات لا تعرف التوبة:
يُعلِمني الحُب ألاَّ أحب
وَأَنْ أفتح النافذة على ضِفة الدرب
هَل تستطعين أنْ تخرجي من نداء الحبق
وَأَن تقسمِيني إلى اثْنَيْن
أَنْتِ وما يتبقى من الأغنية
وحب هو الحب في كل حب
أرى الحب موتا لموت سبق.
من عتبة “نيان” ودموع الشعراء، تتكشف الحقيقة المرة؛ فأن تكون في حيرة، فهذا يعني أنك لست وحدك في مواجهة هذا العبث الأزلي. فالبشر ما زالوا يفتشون عن طوق نجاة في بحر هذه العاطفة التي أذلت رؤوس الفكر والمنطق. وربما كان الأسهل أن نؤمن بأن الحب رزق؛ إن أقبل عمر الدار، وإن أدبر تركنا رمادا في الريح.
لكن ما بالك لو أن هذا الوجع الجارف لم يستثن حتى أولئك الذين أقسموا أنهم أسياد العقل ومحترفو تفكيك أسرار الوجود؟ لكن.. ترى كيف انكسر عمالقة التاريخ أمام الطوفان حين أرادوا ترويضه بالمشرط والمنطق؟ هزمهم الحب تماما كما ينهزم كل غريب، ولم يجدوا ما يواسون به عري أرواحهم سوى أن يصيغوا من انكساراتهم أخلد الكتب وأثقلها هما.
أراد الفيلسوف الألماني أرتور شوبنهاور أن يكون منيعًا، رافضًا أن تخدعه سبل العاطفة. كان يرى أن الغرام المشتعل ليس سوى فخ سري تنصبه الطبيعة بحنكة، لتدفعنا إلى التكاثر وحراسة بقاء النوع! لكن هذا الصارم العتيق سقط صريعًا في اللحظة التي عاثت فيها كارولين ميدون قلبًا وكيانًا في فرانكفورت.
في البدء، غرق شوبنهاور في نشوة تكاد تخترق جدار الوجود.
الفيلسوف الذي أفنى أيامه في لعن العبث، بات يكتب للصغيرة رسائل طفل خائف، يبتسم لثواني اللقاء ويرتعد من شبح الغياب، لكن النيران التي أضاءت عتمته انقلبت جحيمًا مستعرًا؛ فكارولين كانت تبتغي الحياة والضوء والانطلاق، بينما استبد بشوبنهاور وحش الغيرة العمياء والتشدد القاتل. وحين ضاقت ذرعا بسوداويته وخنقه الروحي، انسحبت في صمت، تاركة إياه في قاع الوحدة.
كان السقوط مدويًا ومرعبًا؛ لقد رأى في قسوة الفراق برهانا ساطعا على نظريته المريرة. هرب شوبنهاور إلى عزلته القصوى، لا يؤنس وحشته سوى كلبه المخلص “اتما”، وخط بمداد اليأس في مذكراته: “الحب هو الفخ الأعظم الذي تنصبه الطبيعة للإنسان.. تعدك بالخلود وما إن تقع في شباكه، حتى تتركك وحدك في مهب الريح”.
وفي باريس، أراد الثنائي جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار أن يثورا على جغرافية القلب التقليدية. أبرما ميثاقا عاريا من قيود الزواج البرجوازي: روحان تلتحمان للأبد، مع إباحة مطلقة للجسد والعلاقات العابرة على ضفاف العالم.
لكن حبر النقاشات الثورية شيء، وغريزة الغيرة المشتعلة في قاع الروح شيء آخر تماما. فعلى مدار العمر، تجرعت بوفوار كؤوسًا مقطرة من الحرقة المكتومة وهي تتبع خطى سارتر نحو أخريات. وحين سافرت يوما إلى أمريكا والتقت بنيلسون ألغرين، ووجدَت معه الدفء والحنان الصادق وعرض عليها الاستقرار، انشقت روحها نصفين؛ أحدهما ينبض مع ألغرين، والآخر مربوط بسارتر بحبال مقدسة لا تمزق.
عادت بوفوار إلى باريس منكسرة الخطوات، تاركة قلب ألغرين خلفها لتكتب له بمرارة تزلزل الأبدية: “لا يمكنني العيش إلا بقرب سارتر.. هو حياتي وعالمي”.
أما الحكاية التي يقطر منها السم والدموع معا، فهي قصة سورين كيركجارد. لقد أحب الفتاة الرقيقة “ريغين أولسن” بعمق هز أركان كيانه، لكنه في الصباح التالي لخطبتهما مباشرة، استيقظ على كابوس مرعب من الذعر والندم؛ لم يكن لأنه لا يهواها، بل لأنه أيقن أن كآبته السوداوية الموروثة لن تترك لهذه البريئة طعما للحياة، فستغرق معه في جحيم لا يطاق.
اتخذ قراره التراجيدي الفاجع؛ انسحب بوحشة متعمدة، وارتدى قناع الجفاء واللامبالاة الباردة لكي يسهل عليها كرهه ونسيانه.. هرب إلى صومعة الفلسفة والعزلة، وتحولت ريغين في مخيلته من معشوقة تلامس كفها كفه، إلى “مفهوم روحي” مقدس أضاء له عتمة كتبه الخالدة مثل «إما/أو» و«خوف ورعدة».
لكن الجرح لم يندمل قط؛ ظل طيفها يلاحقه كظله طوال سنوات عمره القصير. وعندما نزل عليه الموت، ترك كل ما يملك في وصيته الأخيرة لريغين وحدها، معترفا أمام السماء بأنها كانت زوجته الحقيقية الوحيدة، في اعتراف متأخر يعتصره الشجن، تماما كتلك العصافير التي تاهت إلى غير رجعة.
وأما فريدريك نيتشه، فارس العظمة والإرادة، فقد هوى على صخرة روسية ذكية ومتحررة تدعى “لو سالومي”. أحبها نيتشه بكل جنون الجبال وصلابتها، مستمدا منها العقل الوحيد الذي يجاريه، وتقدم لخطبتها بكل جوارحه.. لكنها ردته خائبا، مفضلة صديقه بول ري عليه.
كانت الصفعة قاسية على كبرياء فيلسوف لم يركع قبلا. لقد حطمت تلك الخيبة فؤاده، ودفعته ليعتزل البشر إلى الأبد، ليهيم وحيدا في ممرات الجبال الصخرية القاسية والرياح العاتية. ومن رحم هذا الموت النفسي البطيء، تفجر إبداعه صرخات مدوية؛ فوُلدت سفره الخالدة مثل «هكذا تكلم زاردشت»، وتحولت لوعة الفراق إلى وقود روحي هائل يحث البشر على التجاوز والصهل، ولو كان الثمن هو الوحدة الأبدية والاحتراق الصامت.
وهكذا ندرك الحقيقة الأزلية التي تبتسم لها الروح بمرارة: “أعظم عقول البشر وأشدهم بأسا في الفكر والفلسفة، ركعوا صاغرين أمام عتبة الحب”.
حاولوا اختزال العاطفة والهرب منها، أو تفييدها بالنظريات، لكن الحب ظل هو الجلاد الأبدي القادر على تحطيم حصونهم الشامخة. لقد ذكرهم في النهاية بأنهم بشر من طين وهشاشة؛ تذوب قلوبهم لوعة وتنهداا، قبل أن تحلق أفكارهم في سماء الخلود.
يطير الحمام
يحطّ الحمام
أعدى لى الأرض كى أستريح
فإنى أحبك حتى التعب
صباحك فاكهة للأغانى
وهذا المساء ذهب.
المقال يعرض كيف انكسر شعراء وفلاسفة كبار أمام الحب، ويستشهد بتجارب شعرية وفلسفية تؤكد أن العشق قد يقود إلى الألم والوحدة
وردت أسماء عبد الرزاق عبد الواحد ونزار قباني ومحمود درويش وأرتور شوبنهاور وجان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وسورين كيركجارد وفريدريك نيتشه
يرى المقال أن الحب هزم حتى الذين حاولوا تفسيره أو السيطرة عليه بالعقل والنظريات، وأن كبار المفكرين انتهوا إلى الانكسار أمامه رغم محاولاتهم لترويضه


