تمتلك الكاتبة والباحثة مروة طلعت شغفًا خاصًا بالتاريخ، دفعها إلى خوض تجربة مختلفة في تقديم الأحداث والشخصيات التاريخية للجمهور، من خلال أسلوب يجمع بين الدقة البحثية والحكي المبسّط، سعيًا إلى تقريب التاريخ من الأجيال الجديدة، خاصة جمهور مواقع التواصل الاجتماعي الذي لا يميل كثيرًا إلى القراءة التقليدية.
ومن خلال صفحتها «عايمة في بحر الكتب»، استطاعت مروة طلعت أن تصنع مساحة ثقافية، تشارك عبرها متابعيها الحكايات التاريخية وعروض الكتب والمقالات، كما قدّمت عددًا من المؤلفات التي تناولت شخصيات وأحداثًا تاريخية من زوايا مختلفة، من بينها «أساطير حية» و«أثر على جدار الزمن» و«حدوتة مصرية» و«عدسة التاريخ»، إلى جانب تقديم سيرتين ذاتيتين عن الظاهر بيبرس وبدر الجمالي.
وتستعد الكاتبة لإصدار كتاب جديد عن أحمد بن طولون خلال معرض الكتاب المقبل، لتواصل مشروعها في إعادة اكتشاف التاريخ المصري والإسلامي وتقديمه بصورة أكثر قربًا من القارئ.
وفي حوارها مع “البوابة نيوز”، تتحدث مروة طلعت عن بداياتها مع الكتابة والبحث التاريخي، وسر اختيار اسم «عايمة في بحر الكتب»، وأهمية استخدام العامية في تبسيط المعرفة، كما تكشف كواليس تأليف كتبها، ورؤيتها لتأثير الدراما في تشكيل الوعي التاريخي، والشخصيات التي تطمح إلى تقديم سيرتها مستقبلًا.
■ من هي مروة طلعت؟ وكيف بدأت رحلتك مع الكتابة والبحث في التاريخ، خاصة التاريخ المصري القديم والإسلامي؟
أنا مروة طلعت، إنسانة شغوفة بالتاريخ، وباحثة وكاتبة، وعملت سابقًا مدرّسة للغة الإنجليزية، قبل أن أقرر تسخير قلمي ووقتي لتقريب التاريخ من الناس. بدأت رحلتي بشغف قديم وقراءة متواصلة، ثم من خلال كتاباتي المقالية في جريدة «الدستور» لنقد الكتب والروايات.
ومع مرور الوقت، وجدت نفسي أتجه بكل مشاعري وطاقتي نحو البحث التاريخي، وتحديدًا التاريخ المصري بمختلف عصوره، من الفرعوني حتى الحديث، مع اهتمام خاص بالتاريخ الإسلامي.
اكتشفت أن لدينا كنوزًا من الحكايات المغفلة، التي تحتاج فقط إلى من ينفض عنها غبار الجفاف الأكاديمي، ويقدّمها للناس بأسلوب ممتع وقريب منهم.
■ تقدمين نفسك للجمهور باسم «عايمة في بحر الكتب»، ما قصة هذا الاسم؟ وكيف تحوّلت الصفحة إلى مساحة لنشر كتاباتك وأعمالك التاريخية؟
الاسم نابع من حالتي الحقيقية، فأنا بالفعل أشعر في القراءة وكأنني أعوم داخل صفحات الكتب، ولا أكتفي بالمرور السطحي، بل أغوص في التفاصيل. اخترت اسم «عايمة في بحر الكتب» ليكون اسم صفحتي ومجتمعي الثقافي، وأردت من خلاله أن أرسل رسالة للناس، مفادها أن القراءة ليست عبئًا أو شاطئًا جافًا، بل بحر ممتع يستحق الإبحار فيه.
وبفضل الله، تحوّلت الصفحة إلى مساحة دافئة تجمع آلاف المتابعين، أشاركهم من خلالها المقالات والحكايات التاريخية وعروض الكتب، حتى أصبحت المنصة الأساسية التي أنشر عليها تفاصيل أعمالي ورؤيتي الثقافية.
■ ما الذي جذبك تحديدًا إلى التاريخ المصري والحقب الإسلامية؟ وهل كان شغفك بالتاريخ موجودًا منذ الطفولة أم جاء مع القراءة والبحث؟
كان الشغف بذرة موجودة منذ الطفولة، لكنه نما وتبلور مع التعمق في القراءة البحثية. وما يجذبني تحديدًا إلى التاريخ المصري والحقب الإسلامية هو الحيوية والجانب الإنساني.
فالتاريخ المصري بمختلف مراحله ليس مجرد تواريخ وحكام، وإنما قصة شعب صامد، وحضارات تشابكت وشكّلت هويتنا. إنه تاريخ مليء بالدراما والإنجازات والتحولات الإنسانية المعقدة، التي تجعلك تشعر بأنك أمام رواية واقعية ساحرة.
■ تقولين إن هدفك الأساسي هو الوصول إلى جمهور السوشيال ميديا الذي لا يحب القراءة، كيف تحاولين تحويل المعلومة التاريخية الجافة إلى حكاية مشوّقة تجذب القارئ؟
جمهور السوشيال ميديا سريع وملول بطبيعته، وإذا قدّمت له المادة التاريخية بلغة أكاديمية صلبة، فسيتجاوزها في ثانية. السر يكمن في فن الحكي والأسلوب الحكواتي، إذ أبدأ الحكاية من زاويتها الإنسانية، أو من موقف درامي يلمس القارئ، وأركّز على المشاعر والأسباب والكواليس النفسية للشخصيات.
أحوّل الموقف التاريخي من معلومة للحفظ إلى مشهد سينمائي يعيشه القارئ، وبذلك يشعر بأنه يستمتع بحكاية مشوّقة، بينما هو في الحقيقة يتلقى جرعة مكثفة ودقيقة من المعرفة التاريخية.
■ تعتمدين في كتاباتك على العامية المبسّطة والأسلوب الحكائي، هل ترين أن استخدام العامية يمكن أن يكون وسيلة فعالة لنشر الثقافة والمعرفة التاريخية دون أن يفقد المحتوى دقته؟
بالتأكيد، فالعامية المبسّطة ليست ابتذالًا، بل هي جسر للوصول إلى الجمهور. الهدف هو كسر حاجز الخوف بين القارئ والتاريخ. الدقة العلمية والبحثية تكون في المضمون والمعلومة، التي أراجعها بالرجوع إلى أمهات الكتب والمراجع الموثوقة، أما الوعاء أو اللسان الذي ننقل به المعلومة، فيجب أن يكون قريبًا من قلب القارئ وعقله.
العامية الراقية والمبسّطة تزيل الجفاف، وتفتح الباب أمام جمهور واسع لم يكن ليفكر في فتح كتاب تاريخي من الأساس.
■ لديك عدد من الكتب التي تتناول شخصيات وأحداثًا تاريخية من زوايا مختلفة، ما الشخصية أو الحكاية التي شعرت أنها كانت الأقرب إلى قلبك أثناء الكتابة؟ ولماذا؟
كل شخصية كتبت عنها تركت فيّ أثرًا، لكن تجربة الكتابة عن الوزير بدر الجمالي في العصر الفاطمي كانت ذات مكانة خاصة جدًا في قلبي.
هذا الرجل تولى مسؤولية مصر وهي تعيش في حضيض الشدة المستنصرية، بما شهدته من مجاعة وقحط وانهيار كامل، لكنه استطاع بذكائه وحزمه وإرادته الفولاذية إنقاذ البلاد، وإعادتها لتصبح منارة تجارية وزراعية وصناعية أفضل مما كانت عليه.
قصة بعث مصر من الموات على يديه كانت ملهمة لي إلى أقصى حد.
■ في كتاب «أساطير حية» تناولت 20 شخصية لم تنل حقها من الشهرة رغم تأثيرها في التاريخ وصناعة مستقبل أجيال، كيف تختارين الشخصيات التي تستحق أن تعيدي تقديمها للجمهور؟
أختار الشخصية بناءً على معيارين أساسيين، هما حجم الأثر والمظلومية الإعلامية والتاريخية. أبحث عن الشخصيات التي غيّرت مجرى الأحداث أو أنقذت أجيالًا، سواء كانوا علماء أو فدائيين أو قادة، لكن أضواء الشهرة تجاوزتهم لصالح شخصيات أخرى.
وعندما أجد شخصية قدّمت الكثير ولم ينصفها الوعي الجمعي، أشعر بمسؤولية وأمانة تجاهها، وأعتبر أن من واجبي أن أنفض عنها الغبار، وأقول للناس: تعالوا شوفوا من صنع لكم هذا التاريخ.
■ في «أثر على جدار الزمن» تركّزين على شخصيات منسية وتكشفين جوانب إنسانية وتاريخية فيها، لماذا تعتقدين أن بعض الشخصيات المهمة تُنسى رغم تأثيرها الكبير؟
التاريخ للأسف يكتبه المنتصرون أحيانًا، أو تركّز أدوات التوثيق على حكام العواصم والصراعات السياسية الكبرى، بينما تهمل الركائز الحقيقية التي حملت المجتمع على أكتافها.
بعض الشخصيات تُنسى لأن الإضاءة تتسلط فقط على المشهد النهائي، ولا تمتد إلى كواليس البناء الإنساني. وأحيانًا يكون التجاهل بسبب الصراعات السياسية التي شهدها عصر هذه الشخصيات، وأحيانًا أخرى بسبب قلة التوثيق المتداول عنها.
وجاء كتاب «أثر على جدار الزمن» امتدادًا لكتاب «أساطير حية»، ليكون بمثابة صرخة وفاء لهذه الأرواح المنسية.
■ كتاب «حدوتة مصرية» يأخذ القارئ في رحلة عبر التاريخ المصري من العصر الفرعوني وحتى العصر الحديث، ما الذي أردت أن يخرج به القارئ من هذه الرحلة الطويلة؟ وهل هناك بالفعل ملامح ثابتة في شخصية المصري رغم تغير العصور؟
أردت أن يخرج القارئ بيقين واحد، وهو أن مصر تمرض ولا تموت، وأن معدن المصري أصيل وممتد عبر آلاف السنين.
في هذا الكتاب نتتبع الصدمات والتحولات التي مرت بها مصر، من العصر الفرعوني مرورًا بالعصر الروماني والإسلامي وحتى العصر الحديث، والنتيجة التي نكتشفها هي أن الحاكم يتغير، واللغة قد تتغير، والديانة قد تتغير، لكن الروح المصرية بأصالتها وطيبتها وصبرها عند الأزمات وخفة ظلها وقدرتها على البقاء، تظل ملمحًا ثابتًا لم يتغير عبر العصور.
■ في كتاب «عدسة التاريخ» ناقشت الأخطاء والمعلومات المغلوطة والتدليس في بعض الأفلام والمسلسلات المصرية التاريخية، إلى أي مدى يمكن للأعمال الدرامية أن تشوّه وعي الناس بالتاريخ؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين الدراما والحقيقة التاريخية؟
الدراما سلاح ذو حدين، وتأثيرها في وعي الناس أعمق بكثير من الكتب، لأنها تخاطب العين والوجدان. للأسف المشاهد يستقي جزءًا كبيرًا من معرفته بالتاريخ من الشاشة، وعندما يقدّم العمل الدرامي تدليسًا أو تزييفًا بحجة الحبكة الدرامية، فإن هذه المعلومات تترسخ في أذهان الملايين باعتبارها حقائق.
يمكن تحقيق التوازن عندما يحترم صنّاع الدراما الجوهر التاريخي، فمن حق الكاتب أن يبتكر شخصيات وهمية أو يضيف حبكة جانبية، لكن ليس من حقه تشويه الشخصية الحقيقية أو عكس الحقائق الثقافية والسياسية للحقبة التاريخية.
وكان كتاب «عدسة التاريخ» بمثابة عدسة للتصحيح وتفكيك هذا التدليس، بهدف عرض الحكاية الحقيقية الموثقة.
■ قدّمت سيرتين ذاتيتين بالفصحى عن شخصيتين بارزتين هما الظاهر بيبرس وبدر الجمالي، لماذا اخترت هاتين الشخصيتين تحديدًا؟ وما الجوانب التي اكتشفتها أثناء البحث ولم تكن معروفة بالشكل الكافي للجمهور؟
اخترتهما لأنهما يمثلان النموذج الحقيقي لرجال الأزمات الفذّة، الذين أنقذوا مصر والأمة في أحلك الظروف، فكلاهما خاض معركة بناء وطن من العدم.
في شخصية الظاهر بيبرس، كان الجانب المفاجئ للجمهور هو وجهه الإنساني، واهتمامه بالمؤسسات والتعليم والمرافق، ودوره في بناء الهيكل الحقيقي لدولة المماليك، وليس فقط كونه فارسًا يحمل السيف ويحارب التتار والصليبيين.
أما في شخصية بدر الجمالي، فاكتشفت عبقرية إدارية واقتصادية مبهرة، لم تقتصر على كونه قائدًا عسكريًا، بل امتدت إلى قدرته على إدارة الأزمة الاقتصادية والزراعية، وإعادة هيكلة الدلتا والتجارة بعد الشدة المستنصرية.
■ تناولت الظاهر بيبرس ليس فقط باعتباره قائدًا عسكريًا قاهرًا للتتار والصليبيين، وإنما أيضًا من زاويته الإنسانية ودوره في بناء دولة المماليك، كيف يمكن للباحث والكاتب أن يقدّم الشخصية التاريخية بعيدًا عن الصورة النمطية؟
يكون ذلك من خلال إظهار إنسانية البطل، فالصورة النمطية تحوّل الشخصيات التاريخية إما إلى ملائكة ومحاربين بلا مشاعر، أو شياطين ومستبدين.
الباحث المنصف هو من يتجرد ويغوص في كواليس النفس البشرية، ويقرأ عن مخاوف البطل ولحظات ضعفه وقسوة قراراته ومشاعره كأب أو كحاكم محاصر بالأعداء.
عندما تظهر للشخصية التاريخية أخطاؤها ومشاعرها ونضالها الداخلي، يتحول البطل من تمثال رخامي جاف إلى إنسان واقعي يتأثر به القارئ ويتعلم منه.
■ تستعدين لإصدار كتاب جديد عن أحمد بن طولون في معرض الكتاب المقبل، ماذا يمكن أن نتوقع من هذه السيرة؟ وما الشخصية التاريخية التي تحلمين بتقديم سيرتها مستقبلًا؟ وهل لديك مشروع أكبر لإعادة تقديم التاريخ المصري والإسلامي لجمهور السوشيال ميديا؟
بالنسبة إلى أحمد بن طولون، يمكن أن نتوقع سيرة استثنائية لباني أول دولة مستقلة لمصر في العصر الإسلامي. سنغوص في كيفية استقلاله بمصر مع الحفاظ على التبعية الاسمية، وبنائه مدينة القطائع، وعشقه للعمارة والتنمية، وكيف جعل من مصر قوة إقليمية يخشاها الجميع، وذلك بأسلوب سردي حكائي ممتع.
أما الشخصية التي أحلم بتقديم سيرتها، فهناك شخصيات كثيرة في الذاكرة، لكنني أحلم بتقديم سيرة موسعة ومختلفة جدًا عن صلاح الدين الأيوبي أو قطز، بعيدًا عن الرتوش الدرامية التقليدية، مع التركيز الكامل على التحديات النفسية والسياسية الشديدة التي واجهها كل منهما.
وبالنسبة إلى مشروعي الأكبر، فهو الاستمرار في توسيع منصة «عايمة في بحر الكتب»، ونشر السلاسل التاريخية، بحيث أصل إلى كل بيت عربي، وأجعل التاريخ مادة محبوبة يترقبها الشباب على السوشيال ميديا كما يترقبون المسلسلات الرائجة، لنعيد ربط هذا الجيل بهويته وجذوره الحقيقية.
ترى أن العامية المبسّطة جسر للوصول إلى الجمهور وكسر حاجز الخوف بين القارئ والتاريخ، مع الحفاظ على الدقة العلمية في المعلومة والمضمون
تستعد لإصدار كتاب جديد عن أحمد بن طولون خلال معرض الكتاب المقبل، وتصفه بأنه سيرة استثنائية لباني أول دولة مستقلة لمصر في العصر الإسلامي
ترى أن الدراما سلاح ذو حدين وأن تأثيرها أعمق من الكتب لأنها تخاطب العين والوجدان، وقد تشوه وعي الملايين إذا قدّمت تدليسًا أو تزييفًا بدل الحقائق


