على أوراق البردي، وفوق أسطح الحجارة، وعلى جدران المعابد والمسلات، كتب الأجداد ملاحم من تراثهم الخالد وحياتهم الدينية والعسكرية والفكرية والأدبية، لنكتشف اليوم أنهم بلغوا مُنتهى المدنية، وسبقوا في مضمارها جميع الأمم على وجه الأرض، وليصبح ما سطّروا سراجًا تهتدي به الأمم، وطريق مُعبّد لمن لحقهم من السالكين.
وليس من قبيل المصادفة أن يتفوق الأجداد في الفنون والعلوم الإنسانية كافة، فمصر هبة المصريين، لأنها صاحبة الحضارة السامقة التي بُنيت بسواعد المصريين ودأبهم وعزيمتهم التي شغلت الألباب وحيرة العقول منذ فجر التاريخ وإلى الآن.
ومن أبلغ ما تركه الأجداد تعبيرًا عن رهافة مشاعرهم، وفخامة ذوقهم؛ تلك القصص المكتوبة بالهيراطيقية على ورقة البردي المُسماة ببردية وستكار، نسبة إلى السيدة التي حصلت عليها من مصر، والمحفوظة الآن بمتحف برلين تحت رقم (P.3033)، وفق ما ورد في كتاب “من أدب الفراعنة”، للكاتب محمد صابر، والصادر في القاهرة عام 1937م، ومن بينها قصتي “تمساح الشمع المسحور والحُليّة الخضراء” اللتان سنعرض لهما في هذه الحلقة من سلسلتنا المُتصلة عن أدب الأجداد.
ليست المفاجأة في براعة البناء الفني للقصص، فمن بنى الأهرامات التي سحرت العالم، لن يعجز عن بناء قصة، سواء كانت توثيقًا لأحداث يومية مُعاشة، أو خيال مؤلف في القص وسرد الحكايات؛ وإنما المفاجأة أنهم رُغم همتهم في البناء، وسعيهم لحماية الحدود، ومدهم الجسور والطرق، وشييدهم المعابد والمقابر، وإيمانهم بالبعث والخلود، كان للأدب في حياتهم نصيب، للدرجة التي دفعتهم لتوثيقه ليصل إلينا الآن عابرًا للزمن، محملًا ببعض من إبداعات تلك القرون، والسنوات التي لم يبقى منها سوى بريق ما صنعت أياديهم، ليكون نورًا لمن يتلمّس الطريق.

تمساح الشمع المسحور.
“جلس الملك خوفو – بأني هرم الجيزة الأكبر – على عرشه ذات يوم في القاعة الذهبية وطلب إلى أبنائه أن يقصوا عليه بعض أساطير السحرة الأولين. فقام خفرع وطلب إلى والده أن يصغي إليه وقال له: دعني أحدثك عن قصة تمساح الشمع المسحور، فقال الملك خوفو: حدثنا عن تلك القصة، وابتدأ خفرع الحديث بأن قال: ذهب أحد الفراعنة ذات مرة لزيارة معبد بتاح “إله منف”، ورافقه في معيته رجال البلاط والمستشارون والخدم وتصادف أن أظهر الملك رغبته في زيارة دار رئيس الكتبة “أوبانر” التي كان خلفها حديقة بديعة مزدحمة بالأشجار المختلفة وعرائش العنب، والأزهار المتنوعة الجميلة، وبها كذلك منزل صيفى وبركة صناعية كبيرة.
وكان بين الذين يتبعون هذا الجمع، شاب جميل رشيق خفيف الروح أحبته زوجة رئيس الكتبة، وكانت تحنو عليه وترسل إليه الهدايا الجميلة من حين إلى آخر وكانا يجتمعان سرًا ساعات طويلة يتذوقون فيها هناء الخلوة في هذه الحديقة حيث يستحم الشاب بعد ذلك في البركة عند ما يخيم الظلام.
ولاحظ ذلك رئيس الخدم ذات مرة وذهب إلى سيده، وأسر إليه بكل ما رآه، فأمره أو بائر قائلا: أحضر صندوق السحر الخاص. ولما جاء بالصندوق صنع تمساحًا صغير الحجم من الشمع وقرأ عليه تعويذة سحرية، وأعطاه رئيس الخدم وقال له: “عند ما ترى الشاب ينزل إلى البحيرة ليغتسل ضع هذا التمساح في الماء.
في اليوم التالي كان رئيس الكتبة في حضرة فرعون، فانتهزت زوجته الفرصة وذهبت إلى الحديقة واجتمعت بالشاب طوال اليوم إلى أن قَرُبَ المساء ثم عادت الزوجة إلى منزلها، ونزل الشاب إلى البحيرة ليغتسل كعادته، دون أن يعلم أن هناك عينـا ترقبه، فما أن نزل إلى الماء حتى جاء رئيس الخدم سرا ووضع التمساح الشمعي المسحور بهدوء في الماء دون أن يشعر الشاب، ولما وضع التمساح في الماء تبدّل بقوة السحر وأصبح تمساحًا حقيقيًا كبيرًا انقض على الشاب وقبض عليه بغتة.
مرت سبعة أيام، قص الكاتب خلالها هذه القصة الغريبة على مسامع فرعون، وما أتت به الزوجة الخائنة من عدم الوفاء لزوجها، ورجا جلالته أن يذهب معه إلى الحديقة، فأجاب الملك رجاءه وذهب معه، ولما وقف الاثنان أمام البركة في الحديقة، تمتم “أوبانر” بعض تعاويذ سحرية، وأمر التمساح أن يخرج من الماء، فما أن سمع الأمر حتى ظهر على وجه المياه ثم صعد إلى شاطئ البحيرة وهو قابض بفكيه على الشاب وقال الكاتب: إن هذا التمساح ينفذ كل ما أمره به حالا، فقال فرعون مره بالعودة حالا إلى الماء، ولكن “أوبانر” أراد قبل أن يأمره بالعودة إلى الماء أن يرى لجلالة فرعون مهارته فى السحر، وقبض على التمساح بيده فعاد تمساحًا شمعيًا صغيرًا كما كان من قبل.
عجب فرعون كثيرا لذلك، وسأل رئيس المكتبة عن السر فأخبره به، وكان كل ذلك والشاب واقف وقد تبدى عليه الخزي، مترقبًا ما سيحل به من عقاب، وقال فرعون للتمساح: أقبض على هذا المجرم الآسم، فتحول التمساح حالا وعادت إليه الحياة وقبض على الشاب وقفز إلى الماء وغاص به.
ثم أمر فرعون بعد ذلك بالقبض على المرأة الخائنة، وربطت إلى جذع شجرة في شمال الحديقة، وأشعلت النار فيها كي تموت حرقًا جزاء عدم وفائها، ونفذ الأمر وماتت وأمر كذلك بإلقاء بقايا جسدها في النيل، وبعد أن أنهى خفرع من سرد القصة، سُرّ والده الملك “خوفو” وأمر بإعداد قرابين لتقدم على روح فرعون”.

الحيلة الخضراء.
“وبعد أن صمت خفرع برهة وقف ثانية وقال لوالده الملك خوفو: سأروى لك قصة عجيبة وقعت في أيام المرحوم والدكم الملك سنفرو.
وبعدأ خفرع في الحكاية الثانية قائلًا: شعر الملك “سنفرو” ذات يوم بتعب وسأم، وفكر في مكان جميل يُسرّى عنه ما به من كأبة، فأمر باستدعاء رئيس الكهنة المرتلين “زازا إم عنخ” أمامه وقال له: إنّي أشتاق لبعض التسلية ولا أستطيع أن أجدها هنا في هذا المكان.
فقال “زازا إم عنخ”: تستطيع جلالتكم الذهاب إلى بركة القصر، وتركب قاربًا، يجذف به عدد من أجمل فتيات القصر، فإن ذلك سيبعث في نفسك السرور حينما تراهن مُجذفات، وسيسر قلبك، وينشرح صدرك لرؤية الطيور والمروج الخضراء التي على شواطئ البحيرة، وسأذهب بنفسي مع جلالتكم.
فَسُرّ الملك لهذه الفكرة وأمر بإحضار قارب له عشرون مجذافًا من خشب الأبنوس مزينة بمقابض ذهبية، وأمر أيضا بإحضار عشرين فتاة من عذارى القصر الجميلات ذوات الصدور النامية ونزلوا إلى البحيرة.
وبعد أن تحرك القارب سرى الغم عن صدر جلالة الملك عند رؤيته لهن، وكن أثناء التجذيف يُغنين بصوت حنون. وبينما كان القارب في سيره إذ ارتفع مجداف الفتاة التي كان بيدها الدفة ووصل إلى شعرها وقطع حلية جميلة خضراء كانت تتحلى بها وسقطت إلى الماء فوقفت الفتاة عن التجذيف بغتة، وصمتت الفتيات جميعا عن الغناء.
فقال لها “سنفرو”: لا تقفي دعونا نذهب بعيدا جدا. فردت الفتيات: إن التي تدير الدفة قد رفعت مجذافها. فقال “سنفرو”: لماذا رفعتِ مجذافك. فأجابته: يُحزنني أنى فقدت حليتي الخضراء وسقطت في الماء. فقال “سنفرو”: سيري فسأعطيك غيرها. فردت عابثة: أفضل جدًا أن تعود إليّ حليتي من أن أعطى غيرها. فقال الملك لرئيس المرتلين: إنى متمتع جدًا بهذه النزهة البديعة، ونشط بدني لرؤية هؤلاء الفتيات مجذفات في البحيرة شمالًا وجنوبًا، والآن قد فقدت إحداهن حليتها الخضراء وسقطت في الماء، وهي تُصرّ على عدم قبول غيرها وتريدها بالذات.
وفي الحال تمتم “زازا إم عنخ” تعويذة سحرية فانشقت مياه البحيرة إلى ممرات، نزل فيها وبحث عن الحُليّة التي فقدتها الفتاة وأحضرها إليها، ثم جلس وتمتم تعويذة أخرى فعادت المياه إلى حالتها الأولى.
فسر الملك جدًا، ولما عاد إلى القصر بعد تلك النزهة البديعة في القارب على وجه البحيرة الهادئة مع الفتيات الجميلات، أمر بصرف الهدايا لرئيس المرتلين نظرًا لما أتاه من العمل الخارق.
ثم صمت “خفرع” بعد انتهاء القصة وأمر بعدها جلالة الملك خوفو بتقديم قرابين على روح والده الملك سنفرو ورئيس كتبته.
هاتان القصتان، من “قصص أوراق البردي”، تمتلكان بنية سردية قوية ومتماسكة بمعايير الإبداع الأدبي الآن، وإن كُتبتا قبل ثلاثة آلاف عام من الآن على الأقل، وللقصتان دلالة بالغة على قيمة السرد وأهميته في مصر القديمة، حيث الفرعون جالسًا وابنه يقص عليه من أنباء الملوك السابقين ليُسرّي عنه، وكذا يتعرّض لقضايا شائكة وعقوبتها للعبرة والعظة، منوهًا بحزم القانون في مصر القديمة، وفي الوقت ذاته يؤكّد لنا أن الملوك في مصر القديمة لم يكونوا جبارين مثلما يُقال عنهم، بدليل أنّ الملك أوقف رحلته من أجل جارية أصابها الحزن لفقدانها حلية سقطت في النيل، ولم يستأنفها حتى عثر لها على ما فقدته”.


WhatsApp Image 2026-11-03 at 5.43.58 PM
WhatsApp Image 2026-10-26 at 6.14.47 PM (2)
WhatsApp Image 2026-10-26 at 6.14.47 PM (1)
WhatsApp Image 2026-10-26 at 6.14.47 PM
هي ورقة بردي مكتوبة بالهيراطيقية ومحفوظة الآن بمتحف برلين تحت رقم P.3033، ويذكر الخبر أنها تضم قصصًا منها تمساح الشمع المسحور والحلية الخضراء
تحكي عن شاب كانت تربطه علاقة سرية بزوجة رئيس الكتبة، فصنع رئيس الكتبة تمساحًا من الشمع بتعويذة سحرية ووضعه في الماء فتحول إلى تمساح حقيقي قبض على الشاب
سقطت الحلية الخضراء الخاصة بإحدى فتيات القارب في ماء البحيرة فتوقف الغناء والتجذيف، ثم استخدم رئيس المرتلين تعويذة سحرية فشق مياه البحيرة واستخرج الحلية وأعادها إليها


