قبل أن نبدأ، نقول إن هذه من أخطر آفات العقل العربي وأمراضه العُضال التي تضيع الفهم الرشيد، وتحول بينه وبين الفهم الصحيح، هو اعتقاد العقل العربي أن التشابه الظاهري للألفاظ يعني التطابق الدلالي بينها، وهذه فرية كبرى، وخدعة كبرى، ووهم كبير ضيَّع الفهم، وغيَّب الإدراك، وحال بين العقل العربي والفهم الرشيد والدقيق وغير الملتبس، وخصوصًا لعربية المصحف، باعتبارها أدق لسان عربي عبر التاريخ، قديمه وحديثه ومستقبله أيضًا.
فعندما يقرأ العقل العربي لفظتي (جاء) و(أتى) مثلًا، يوقعه التشابه الظاهري السطحي للفظتين فورًا في عجين دلالي مديد، يفسد الفهم، ويضيع الإدراك، ويغير المعنى السياقي للفظ تمامًا، دون أن يسأل ذلك العقل العربي نفسه عن الفرق الشاسع في الدلالة بين المجيء والإتيان في عربية القرآن مثلًا، لكونها دقيقة الدلالة وحصرية الدلالة للغاية.
وعندما يقرأ العقل العربي لفظتي (الفقراء والمساكين) مثلًا، يوقعه التشابه الظاهري في عجين دلالي مضيع للحدود الدلالية الإبستمولوجية المعرفية للفظ، دون أن يكلف نفسه عناء التفريق بين الفقراء والمساكين، ودلالة كل لفظة ومقصدها المعرفي.
وعندما يرى العقل العربي، وهو يطالع كتاب الله، لفظتي (الزوج والبعل)، فيوقعه التشابه الظاهري في نفس العجين الدلالي، دون أن يشغل باله: لِمَ هنا الزوج، ولماذا هنا البعل، وما الفرق الدلالي بينهما، وما هو المعنى السياقي لهما؟
وعندما يقرأ العقل العربي لفظة المسلمين، وبعدها لفظة المؤمنين، أو الإسلام والإيمان، فيخدعه التشابه الظاهري على الفور، ويوقعه في عجين دلالي مديد، فلا يسيطر عليه الفضول المحمود ليسأل نفسه: من هم المسلمون، ومن هم المؤمنون حسب عربية القرآن؟ ما هو الفرق الدلالي بين اللفظتين؟ ما هو المقصود بالمسلمين، وما هو المقصود بالمؤمنين؟!.
حيث ينبغي التحرز من التحول من (الدلالة المقصودة أصلًا) في كتاب الله إلى (الدلالة المفهومة عرفًا) عند الناس.
ويتعين الوقوف عند المعنى الذي أراده التنزيل للفظ، دون تحويله إلى المعنى (الذي يريده الناس).
وعندما يقرأ العقل العربي لفظة الرسول، ثم تاليًا لفظة النبي، فيخدعه التشابه الظاهري على الفور، ويذهب به إلى ذلك العجين الدلالي المضيع للحدود الإبستمولوجية المحددة لدلالة اللفظ القطعية والحصرية الدقيقة، فلا يشغله الفضول المعرفي ليسأل عن الفرق الدلالي بين اللفظتين، ولماذا هنا الرسول، وفي الآية الأخرى النبي، وهكذا.
وعندما يسمع العقل العربي لفظة الكتاب، ثم تاليًا يسمع لفظة القرآن، ثم ثالثًا يسمع لفظة أم الكتاب، تجده يطابق ويعجن بشدة، ويكشف عن عجز مديد بخصوص التفريق الدلالي بين دلالة لفظة الكتاب، ولفظة القرآن، ولفظة أم الكتاب!.
وعندما يسمع العقل العربي لفظتي (البلاغ والإبلاغ)، أو يسمع لفظتي (الشاهد والشهيد)، أو يقرأ لفظتي (يسطع ويستطع)، أو يرى في المصحف لفظتي (صاحبه وصحبه)، أو (امرأة وامرأت)، أو (رحمة ورحمة)، أو (نعمة ونعمت)، أو (صلاة وصلاة وصلوت)، أو (زكاة وزكوة)، أو (التنزيل والإنزال)، أو (إبليس والشيطان)، أو (فاحشة والفحشاء)، أو (الاجتباء والاصطفاء)، أو يسمع لفظتي (العرش والكرسي)، أو لفظتي (الروح والنفس)، أو لفظتي (الوفاة والموت)، أو (الله والرحمن)، أو (الرحمن والرحيم)، أو لفظتي (الذكر والحديث)، أو لفظتي (القضاء والقدر)، أو لفظتي (القلب والفؤاد)، أو لفظتي (الصدر والقلب)، أو لفظتي (الإسراف والتبذير)، أو لفظتي (الذنب والسيئة)، أو لفظتي (البشر والإنسان)، أو (الأب والوالد)، أو (الأم والوالدة)، أو (البيان والتفصيل)، أو (النبأ والخبر)، أو (الكفر والشرك)، أو (التمام والكمال)، أو (الرجس والرجز)، أو (الإثم والبغي)، أو (الساعة والقيامة)، أو (كلام الله وكلمات الله)، أو (الميثاق والعهد)، أو (العباد والعبيد)، أو (الوفاة والهلاك)، أو أو….
فإن التشابه الظاهري يوقعه على الفور في الفخ، فيتوهم التطابق الدلالي، فيضيع الفهم الرشيد، وتُزيَّف المعرفة، وتتحول إلى محض عجين، هراء.
هذا، وقد نبَّهنا رواد مدرسة إنكار التطابق الدلالي في العربية: ابن الأعرابي، ثم ثعلب الكوفي، ثم تاليًا ابن فارس، ومن بعده أبو هلال العسكري، وغيرهم من رواد مدرسة إنكار الترادف في العربية.
فقد نبَّهونا مبكرًا إلى أن لكل لفظة في العربية دلالة تخصها وحدودًا معرفية تفرقها عن غيرها، لكننا، للأسف، لم ننتبه، وأغفلنا كلام رواد مدرسة إنكار الترادف في العربية، ولم نهتم، وردمنا على ذلك التراث اللغوي الغني لرواد مدرسة الكوفة وغيرهم من رواد العربية.
يرى أن التشابه الظاهري بين الألفاظ لا يعني تطابقها في المعنى، وأن لكل لفظة دلالة وحدودًا معرفية خاصة بها
ذكر أمثلة مثل جاء وأتى، والفقراء والمساكين، والزوج والبعل، والمسلمين والمؤمنين، والإسلام والإيمان، والرسول والنبي
يدعو إلى الوقوف عند المعنى الذي أراده التنزيل للفظ وعدم نقله إلى المعنى المفهوم عرفًا عند الناس


