لم يقتصر أثر الحملة الفرنسية على مصر (1798–1801) على المواجهات العسكرية والتدخلات السياسية، بل امتد إلى المجال العلمي والمعرفي.

ومع ذلك فإن إبراز الأثر العلمي للحملة الفرنسية لا يعني التغاضي عن طبيعتها الاستعمارية؛ فالاحتلال، أيًّا كانت مبرراته، يظل اعتداء على سيادة الدول والشعوب، ومخالفا لمبادئ القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها، لكن القراءة التاريخية الموضوعية تقتضي التمييز بين طبيعة الحملة وأهدافها السياسية والعسكرية من جهة، والنتائج العلمية التي ترتبت على وجودها في مصر من جهة أخرى.

لقد تركت الحملة -رغم مشروعها الاستعماري- أعمالا علمية وتوثيقية مهمة، أسهمت في دراسة التاريخ والآثار والجغرافيا المصرية، وكان أبرزها موسوعة «وصف مصر» وهو ما جعل تقييم أثرها العلمي أمرًا مستقلًا عن إدانة مشروعها الاحتلالي.

حينها رافق الحملة عدد كبير من العلماء والمهندسين والفنانين، عملوا على دراسة أحوال مصر الطبيعية والجغرافية والتاريخية والحضارية، ومن أبرز مظاهر هذا النشاط تأسيس “المجمع العلمي المصري”، الذي ضم أقساما متخصصة في الرياضيات والعلوم الطبيعية والاقتصاد والتاريخ، وأتاح مجالا للبحث وإجراء التجارب ودراسة الظواهر المختلفة.

وشهدت الحملة العثور على حجر رشيد عام 1799م، وهو الاكتشاف الذي أتاح للعالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون فك رموز الكتابة الهيروغليفية، ومهد لنشأة علم المصريات.

وأنجز علماء الحملة موسوعة «وصف مصر» التي ضمت دراسات وافية عن جغرافية البلاد وتاريخها وآثارها ونباتاتها وحيواناتها وفنونها، وقدمت توثيقا واسعا لأحوال المجتمع المصري في تلك الفترة.

وامتد النشاط العلمي إلى دراسة جغرافية مصر، ومن ذلك بحث إمكانية الربط بين البحرين الأحمر والمتوسط عبر السويس، إلى جانب إعداد خرائط جغرافية للبلاد.

وأدخلت الحملة المطابع ذات الحروف العربية والفرنسية، واستخدمتها في طباعة المنشورات والمواد الإدارية، وهو ما يعتبر خطوة في انتقال الطباعة الحديثة إلى مصر.

شمل الأثر العلمي أيضا تواصل عدد من العلماء المصريين، ومن بينهم عبد الرحمن الجبرتي وحسن العطار، مع علماء الحملة، بما أتاح لهم الاطلاع على بعض المعارف والعلوم الأوروبية وأساليب البحث والتفكير الحديثة.

وهكذا أسهمت الحملة، رغم طبيعتها العسكرية وأهدافها الاستعمارية، في إحداث احتكاك علمي وثقافي ترك أثرا امتد بعضها إلى حركة الترجمة والتحديث العلمي في مصر خلال القرن التاسع عشر.

موسوعة “وصف مصر”.. مادة توثيقية واسعة

من أبرز نتائج الحملة إصدار موسوعة «وصف مصر»، التي تعد من أهم الأعمال الموسوعية التي تناولت تاريخ مصر وجغرافيتها وطبيعتها وآثارها ومجتمعها في العصر الحديث.

جاء إعداد الموسوعة في إطار المشروع العلمي الذي صاحب الحملة، بمشاركة مجموعة من العلماء والباحثين والفنانين والمهندسين الذين رافقوا القوات الفرنسية إلى مصر، وقد ضمت هذه المجموعة تخصصات متنوعة، شملت التاريخ والآثار والجغرافيا والطبيعة والهندسة والعمارة والطب، وعملت على رصد مظاهر الحياة المصرية وتوثيقها بالوصف والرسوم والخرائط والدراسات العلمية.

وبعد عودة الحملة إلى فرنسا، تولت لجنة من العلماء تنظيم المواد التي جمعها الباحثون وإعدادها للنشر، وصدر المجلد الأول من الموسوعة عام 1809، واستمر نشر أجزائها حتى عام 1828. وجاءت في ثلاثة أقسام رئيسية: الآثار، والتاريخ الطبيعي، والأحوال الحديثة لمصر، واشتملت على دراسات تفصيلية للمعابد والمباني والآثار المصرية القديمة، إلى جانب وصف المدن والقرى والأنهار والنباتات والحيوانات والصناعات والحرف والعادات الاجتماعية.

وتكتسب الموسوعة أهميتها من حجم المادة العلمية التي جمعتها، وما تضمنته من رسوم دقيقة للنقوش والآثار والمنشآت المعمارية، فضلا عن الخرائط والقياسات التي قدمت صورة واسعة عن مصر في نهاية القرن الثامن عشر، وأسهمت في لفت أنظار الباحثين الأوروبيين إلى الحضارة المصرية القديمة، وأصبحت أحد المراجع الأساسية في تطور علم المصريات والدراسات الجغرافية والتاريخية.

ورغم ارتباط الموسوعة بمشروع استعماري، فإنها تمثل أحد أبرز الآثار العلمية للحملة الفرنسية، بما وفرته من مادة توثيقية واسعة أسهمت في دراسة مصر وتاريخها وحضارتها.

الاتصال العلمي بين العلماء الفرنسيين والمصريين

صاحب الحملة الفرنسية نشاط علمي أسهم في إحداث احتكاك بين الثقافتين الفرنسية والمصرية، وفتح المجال أمام بعض العلماء المصريين للاطلاع على علوم ومعارف لم تكن مألوفة في المؤسسات التعليمية آنذاك.

وبحسب كتابه “تاريخ الترجمة في مصر في عهد الحملة الفرنسية” ذكر المؤرخ جمال الدين الشيال في فصل عن الاحتكاك بين العلماء المصريين والفرنسيين، أنه عندما انشغل جنود الحملة بالمعارك، انكب العلماء الفرنسيون على دراسة طبيعة مصر وجغرافيتها ونباتاتها وحيواناتها وآثارها وصناعاتها ومجتمعاتها، وجمعوا نتائج أبحاثهم في موسوعة «وصف مصر» فأنشأوا مجمعًا علميًا ضم مكتبة وأقسامًا متخصصة في الفلك والتصوير والكيمياء والطب، أتاحت لبعض العلماء المصريين التعرف على أدوات البحث والتجارب العلمية وأساليب تنظيم المعرفة.

وقد سجل المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي مشاهداته للمجمع، معبرًا عن دهشته من الآلات والتجارب التي شاهدها، موضحا ما بينها وبين المعارف السائدة في مصر من اختلاف.

وامتد هذا الاتصال إلى عدد من العلماء المصريين، أبرزهم الجبرتي، والشاعر إسماعيل الخشاب، والشيخ حسن العطار، فقد استفاد الجبرتي من احتكاكه بالعلماء الفرنسيين، وانعكس ذلك على دقة كتابته التاريخية ونزعتها النقدية، واتصل الخشاب ببعض المستشرقين، وأسهم في أعمال ديوان القاهرة وتوثيق قراراته ومراسلاته، أما الشيخ العطار، فقد أبدى اهتمامًا بالعلوم والفنون الأوروبية، واستفاد من الفرنسيين في التعرف على معارف جديدة، كما أفادهم من معرفته باللغة العربية.

ومن الآثار المهمة للحملة أيضًا إدخال المطبعة العربية التي استخدمها الفرنسيون في طباعة المنشورات والمواد المختلفة، وهو ما مهد لمرحلة جديدة في تاريخ الطباعة المصرية، خاصة مع إنشاء مطبعة بولاق في عهد محمد علي.

وهكذا أسهم الاتصال بين العلماء الفرنسيين والمصريين في تنشيط الاهتمام بالعلوم والمعارف الحديثة، وكان لبعض رواده دور لاحق في النهضة العلمية وحركة الترجمة في عصر محمد علي، دون أن ينفي ذلك الطبيعة الاستعمارية للحملة وأهدافها العسكرية والسياسية.

جهود فك رموز حجر رشيد.. محاولات عدة لفك اللغز المصري

كان العثور على حجر رشيد عام 1799، خلال أعمال الحفر التي أجرتها الحملة، أحد أبرز نتائج هذا الأثر العلمي؛ إذ أتاح تعدد الكتابات الواردة عليه مدخلًا لفك رموز اللغة المصرية القديمة، وهو ما تحقق لاحقًا على يد العالم الفرنسي شامبليون.

وفي موسوعته «مصر القديمة»، استعرض الدكتور سليم حسن المحاولات العلمية التي سبقت شامبليون لفك رموز الكتابة الهيروغليفية، موضحًا أسباب تعثرها، والعوامل التي مكنت شامبليون من تحقيق هذا الاكتشاف.

ويشير حسن إلى أن الكتابة المتداولة في مصر القديمة اتخذت ثلاثة أشكال رئيسية: الهيروغليفية، والإغريقية، والقبطية، التي تمثل مرحلة متأخرة من اللغة المصرية. ويقول: «كانت الكتابات المتداولة في البلاد على ثلاثة أشكال مختلفة إلى أواخر عهد الرومان في مصر، وهي الكتابة الهيروغليفية؛ أي الكتابة التقليدية للبلاد، ثم الكتابة الإغريقية، ثم الكتابة القبطية».

ولفت المؤلف إلى المحاولات المبكرة لفهم اللغة المصرية القديمة، ومن بينها جهود الأب اليسوعي كرشر في القرن السابع عشر، الذي أدرك أن اللغة القبطية تحتفظ بأصول من اللغة المصرية القديمة مكتوبة بحروف يونانية، وحاول الاستعانة بها للوصول إلى فهم الكتابة المصرية، لكنه لم ينجح في ذلك.

وجاء العثور على حجر رشيد أثناء أعمال الحفر التي نفذتها الحملة الفرنسية بالقرب من مدينة رشيد، ليشكل نقطة تحول في هذه المحاولات؛ فقد حمل الحجر نصًا واحدًا مكتوبًا بثلاثة أنظمة كتابية، هي الهيروغليفية والديموطيقية والإغريقية، وكان يتضمن مرسومًا ملكيًا صادرًا عن بطليموس الخامس، وأتاح وجود النص الإغريقي، إلى جانب الكتابات المصرية القديمة، إمكانية المقارنة بين النصوص، وهو ما وفر أساسًا علميًا لمحاولات فك الرموز.

وكان من أوائل الذين حاولوا قراءة الحجر العالم الفرنسي سلفستر دي ساسي عام 1802، الذي ركز على القسم الديموطيقي، كما حاول توماس ينج الإنجليزي منذ عام 1814 الاستفادة من الأسماء الملكية الواردة في النص، ولا سيما اسم بطليموس المحاط بخرطوش، للتعرف على القيم الصوتية لبعض العلامات، إلا أن هذه المحاولات لم تصل إلى فك نظام الكتابة المصرية بصورة كاملة.

المحاولة الناجحة وتجاوز القصور

أما شامبليون فقد استطاع تجاوز أوجه القصور في المحاولات السابقة، مستفيدًا من جهود من سبقه ومن معرفته باللغة القبطية، إلى جانب دراسته لأنظمة الكتابة المصرية القديمة، وتوصل إلى أن الهيراطيقية تمثل صورة مختصرة من الهيروغليفية، وأن الكتابة المصرية لا تقوم على نظام أبجدي خالص أو رمزي خالص، وإنما تجمع بين العلامات التصويرية والرمزية والصوتية.

ويوضح سليم حسن أن هذا الاكتشاف كان بمثابة جوهر إسهام شامبليون؛ لأنه أدرك أن العلامات الهيروغليفية قد تؤدي وظائف مختلفة، فمنها ما يحمل دلالة تصويرية أو رمزية، ومنها ما يمثل مقاطع صوتية أو حروفًا أبجدية. وبذلك تجاوز الاعتقاد السابق بأن الكتابة المصرية إما تصويرية بالكامل أو صوتية بالكامل، ووصل إلى فهم طبيعة نظامها المركب.

وفي 1822، أرسل شامبليون خطابًا إلى داسييه، أمين السر الدائم للمجمع العلمي الفرنسي، أعلن فيه نجاحه في قراءة الخراطيش الهيروغليفية، وهو الإعلان الذي كان نقطة تحول في علم المصريات، وفتح الطريق أمام قراءة النقوش والآثار المصرية القديمة، وإعادة بناء جوانب واسعة من تاريخ الحضارة المصرية.

وبذلك كان العثور على حجر رشيد في سياق الحملة الفرنسية أحد أبرز الآثار العلمية للحملة، إذ أتاح مادة مقارنة أساسية أسهمت في فك رموز الهيروغليفية، ونقل دراسة الحضارة المصرية القديمة من الاعتماد على التأويلات والتخمينات إلى الاستناد إلى قراءة نصوصها الأصلية.

وهكذا، تكشف التجربة العلمية المصاحبة للحملة الفرنسية عن جانب آخر من آثارها في مصر، تمثل في توسيع مجالات المعرفة بالبلاد، وتوثيق آثارها ومواردها، وفتح قنوات للتواصل بين العلماء المصريين ونظرائهم الأوروبيين.

وبالرغم من أن هذه الإنجازات جاءت في سياق حملة عسكرية ذات أهداف استعمارية، فإن أثرها العلمي والثقافي ظل حاضرا في مسار النهضة الحديثة، ومهد لبعض التحولات التي شهدتها مصر في مجالات الطباعة والترجمة والبحث العلمي خلال القرن التاسع عشر.

وعلى الجانب الآخر لم تخل الحملة الفرنسية من وجهها الاستعماري القبيح، شأنها شأن حملات الاحتلال الغربي؛ فقد واجه المصريون وجودها بمقاومة متواصلة، وبذلوا جهودا وتضحيات كبيرة من أجل التصدي لقواتها والعمل على إخراجها من البلاد.