واصلت دار الإفتاءالمصرية، من خلال مركز التدريب بالدار، فعاليات اليوم التدريبي الثاني من الدورة المتخصصة “منهجية الفتوى بدار الإفتاء المصرية في معالجة القضايا الاجتماعية المعاصرة”، المخصصة لطلاب مملكة تايلاند الدارسين بجامعة الأزهر الشريف.

وتضمن اليوم الثاني للتدريب، ثلاث محاضرات علمية تناولت منهجية تحليل الفتاوى ونقدها، وأصول فض المنازعات المجتمعية، والضوابط العلمية لإعداد الفتوى في القضايا الاجتماعية المعاصرة.

المحاضرة الأولى، جاءت بعنوان “تحليل ونقد فتوى في القضايا الاجتماعية”، أوضح فيها الشيخ عبد الله عز الدين، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن امتلاك المعرفة الفقهية وحفظ المسائل وأدلتها لا يكفيان وحدهما لممارسة الإفتاء، بل تتطلب الفتوى تأهيلًا متخصصًا وتدريبًا عمليًّا يمكِّن المفتي من توظيف المعرفة الفقهية في معالجة الوقائع وتنزيل الأحكام الشرعية عليها.

واستشهد المحاضر بما نقل عن الإمام أبي صالح أيوب بن موسى بشأن تجربته الأولى في الإفتاء، رغم تمكنه من حفظ “المدونة”، موضحًا أن الممارسة الإفتائية تحتاج إلى دُربة وخبرة لا تتحققان بمجرد التحصيل العلمي.

كما أشار إلى ما أورده ابن عابدين بشأن ضرورة تتلمذ طالب الإفتاء على يد أستاذ متمرس، ليتعلم كيفية التعامل مع المسائل وتحرير أجوبتها، لا أن يكتفي بحفظ كتب المذهب ومسائله، خاصة أن بعض النوازل تتغير أحوالها وملابساتها باختلاف الأزمنة والوقائع.

وعرَّف الشيخ عبد الله عز الدين الفتوى بأنها “فن إيقاع الاجتهاد التنزيلي”، مؤكدًا أن الانتقال من معرفة الحكم الشرعي إلى تطبيقه على الواقع يمثل مرتبة علمية أخرى تتطلب سَعة في النظر، وإدراكًا للقواعد الفقهية، وفهمًا للمصالح الخاصة والعامة، والقدرة على الموازنة بين جلب المصالح ودرء المفاسد.

وأوضح أن دَور المفتي لا يقتصر على استحضار الحُكم، بل يمتد إلى التحقق من ملاءمة تنزيله على الواقعة المعروضة، في ضوء ظروفها وملابساتها والآثار المترتبة على تطبيقه.

ولتوضيح أهمية مراعاة الملابسات في تنزيل الأحكام، استعرض المحاضر قصة المرأة الغامدية التي أقرت بالزنا، مبينًا أن تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الواقعة تضمن مراعاة حال المرأة وحملها، وتأجيل إقامة الحد حتى تضع حملها، ثم توجيهها إلى إرضاع طفلها واستكمال ما يلزمه من رعاية. وأكد أن هذا المثال يبرز أهمية فهم الظروف المحيطة بالواقعة وعدم التعامل معها بمعزل عن أحوال أصحابها والآثار المترتبة عليها.

كما أوصى بقراءة كتاب “الميزان الكبرى” للإمام عبد الوهاب الشعراني، لما يتضمنه من نماذج توضح سعة الفقه وتنوع اجتهادات العلماء، والاستفادة منها في فهم كيفية توظيف المعرفة الفقهية في إصلاح أحوال الناس، مع مراعاة حال المستفتي واختيار المعالجة المناسبة له دون إخلال بالأحكام الشرعية أو تجاوز ضوابطها.

وفي الجانب التطبيقي، ناقش الشيخ عبد الله عز الدين مع المتدربين فتوى دار الإفتاء المصرية بشأن الزواج دون ولي، مستعرضًا عناصرها ومنهجية بنائها، ومجيبًا عن استفسارات الطلاب حولها. وأتاح التطبيق فرصة للتدريب على قراءة الفتوى قراءة تحليلية، وفهم مسار الاستدلال فيها، ومناقشة كيفية معالجة القضايا الاجتماعية في ضوء الاختلاف الفقهي وضوابط الإفتاء.

المحاضرة الثانية، حملت عنوان “منهج دار الإفتاء المصرية في فض المنازعات المجتمعية”، وتناول فيها الدكتور أيمن أبو عمر، عضو المكتب الفني لمفتي الجمهورية، الأصول المنهجية التي تعتمدها دار الإفتاء المصرية في التعامل مع المنازعات المجتمعية وتسويتها، مستعرضًا سبعة أصول حاكمة تضبط عمل المفتي في معالجة الخلافات، وتحقق التوازن بين الالتزام بالأحكام الشرعية ومراعاة أحوال أطراف النزاع وصيانة حقوقهم وكرامتهم.

واستهلَّ الدكتور أيمن أبو عمر حديثه بالتأكيد على أن الرحمة تمثل الأساس الذي يقوم عليه هذا المنهج، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”.

وأوضح أن استحضار الرحمة في التعامل مع المتنازعين يدفع إلى البحث عن سبل الإصلاح وتقليل الأضرار، دون إخلال بالأحكام الشرعية. كما أكد أهمية الرفق في إدارة الخلافات، مستشهدًا بقوله صلى الله عليه وسلم: “ما كان الرفق في شيء إلا زانه”، لما يحققه من تهدئة النفوس وتهيئة بيئة مناسبة للتفاهم والتسوية.

كما أوضح أن التمييز بين الفتوى والقضاء من الأصول الأساسية في معالجة المنازعات؛ فالفتوى بيان للحكم الشرعي في ضوء السؤال والمعلومات التي يقدمها المستفتي، ولا تتمتع بذاتها بالقوة الإلزامية التي يتمتع بها الحكم القضائي، بينما يختص القضاء بالفصل في النزاعات وفق الإجراءات والأدوات القانونية المقررة، وتكون لأحكامه آثارها الملزمة.

وشدد على ضرورة الاستماع إلى جميع أطراف النزاع وعدم بناء المعالجة على رواية طرف واحد، بما يساعد على التثبت من الوقائع وتكوين تصور متكامل عن المشكلة. كما أكد أهمية المحافظة على سرية المعلومات والخصوصيات التي تُطرح خلال جلسات فض المنازعات، والاقتصار على التفاصيل المؤثرة في المعالجة، لا سيما في القضايا الزوجية والأسرية، بما يصون كرامة الأطراف ويحمي خصوصيتهم.

وتناول الدكتور أيمن أبو عمر أهمية الحيادية والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، بعيدًا عن المشاعر والاعتبارات الشخصية، مع الاستناد إلى الأدلة والوقائع ذات الصلة.

واختتم عرض الأصول السبعة بالتأكيد على ضرورة تقدير أطراف انزاع وصيانة كرامتهم، حتى عند ارتكابهم أخطاء أو مخالفات شرعية، موضحًا أن تقويم التصرف الخاطئ لا يبرر التشهير بصاحبه أو الانتقاص من كرامته.

وخلصت المحاضرة إلى أن منهج دار الإفتاء المصرية في فض المنازعات يقوم على التكامل بين الرحمة والرفق والحيادية، وسماع جميع الأطراف، وصون الأسرار، والتمييز بين اختصاص المفتي واختصاص القاضي، واحترام كرامة المتنازعين، بما يعزز فرص الإصلاح ويحافظ على الحقوق والخصوصيات.

المحاضرة الثالثة، جاءت بعنوان “مشروع فتوى في القضايا الاجتماعية المعاصرة”، استعرض الدكتور عمرو الشال، مدير عام الإدارة العامة للأبحاث الشرعية، المكونات الأساسية لإعداد الفتوى.

وأوضح أنها تشمل مدخلًا تمهيديًّا موجزًا، ونص الفتوى، والقرار الختامي، مع ضرورة مراعاة الاختصار والوضوح والترابط المنهجي بين عناصرها. وبناء عليه بيَّن كيفية إعداد الفتوى بدءًا بالتصور الدقيق للمسألة وفهم حقيقتها وملابساتها، قبل الانتقال إلى تكييفها من الناحية الفقهية وبيان حكمها الشرعي.

وشدد على أهمية الاستعانة بالمتخصصين في المجالات التي تتطلب خبرة فنية أو علمية، مستشهدًا بالقضايا المتعلقة بالعملات الرقمية المشفرة والمسائل الطبية، التي تستلزم الرجوع إلى أهل الاختصاص ومناقشتهم لضمان سلامة التصور ودقة المعالجة الإفتائية.

كما تناول المحاضر ضوابط الاستدلال بالأدلة الشرعية وترتيبها، بدءًا بالقرآن الكريم، ثم السنة النبوية، فالإجماع، فالقياس، مع مراعاة مراتب الأدلة ودرجات الاتفاق والاختلاف فيها. وأوضح أن الاستناد إلى النقول الفقهية المعتمدة يعزز الرصانة العلمية للفتوى ويرسخ ثقة القارئ بها، مؤكدًا ضرورة مراعاة الترتيب الزمني للمذاهب الفقهية والرجوع إلى الكتب المعتمدة في كل مذهب.

وفي سياق تطوير مهارات البحث العلمي، حذر الدكتور عمرو الشال من الاعتماد الكلي على المكتبة الشاملة أو الاكتفاء بنقول الآخرين وفهمهم للمسائل.

وأكد ضرورة الرجوع المباشر إلى المصادر الأصلية، والتحقق من النصوص وسياقاتها، وتنويع المراجع العلمية؛ تجنبًا للاقتصار على توجهات فكرية محددة، وضمانًا للإحاطة بالمصادر المعتمدة ذات الصلة بالمسألة محل البحث.

كما دعا إلى تجنب الاعتماد المفرط على الأدوات الإلكترونية، والاهتمام بالبحث العلمي الرصين القائم على القراءة المباشرة والتحليل والتحقق، والحرص على القراءة المستمرة التي تمثل ركيزة أساسية في بناء الملَكة الإفتائية وإعداد المفتي المتقن، لما لها من دور في توسيع المدارك العلمية وتنمية مهارات البحث والاستدلال.

وفي ختام محاضرته أكَّد الدكتور عمرو الشال أن إعداد الفتوى في القضايا الاجتماعية المعاصرة يتطلب منهجية علمية متكاملة تقوم على دقة التصور، وسلامة التكييف الفقهي، وحسن الاستدلال، والرجوع إلى المصادر الأصلية، والاستعانة بالخبرات المتخصصة، إلى جانب القراءة والبحث المستمرين، بما يسهم في إعداد مفتين يمتلكون الكفاءة العلمية والمهارات البحثية اللازمة للتعامل مع القضايا المعاصرة. وأخيرًا كلَّف المتدربين بمجموعة من المهام البحثية لمناقشتها خلال المحاضرة التالية، تعزيزًا للجانب التطبيقي وربطًا بين التأصيل النظري والممارسة العملية.

الأسئلة الشائعة

الدورة تحمل عنوان "منهجية الفتوى بدار الإفتاء المصرية في معالجة القضايا الاجتماعية المعاصرة" وتستهدف طلاب مملكة تايلاند الدارسين بجامعة الأزهر الشريف.

اليوم الثاني تضمن ثلاث محاضرات عن تحليل ونقد الفتاوى، ومنهج دار الإفتاء في فض المنازعات المجتمعية، وضوابط إعداد الفتوى في القضايا الاجتماعية المعاصرة.

أبرز الضوابط هي دقة التصور وفهم الواقعة وملابساتها ثم التكييف الفقهي الصحيح وحسن الاستدلال والرجوع إلى المصادر الأصلية والاستعانة بالمتخصصين عند الحاجة.