في الوقت الذي لم يصدر فيه اتحاد كتاب مصر، حتى الآن، بيان تهنئة بمناسبة ذكرى نصر أكتوبر العظيم، يحيّي فيه القوات المسلحة المصرية، ويهنئ أعضاءه والشعب المصري بهذه الذكرى الوطنية المجيدة، خرج جمهور قطبي الكرة المصرية، الأهلي والزمالك، ليقدم درسًا في الوطنية والانتماء، رافعًا لافتات الاحتفاء بأعظم انتصاراتنا العسكرية، في مشهد بديع استحق تصفيق المشاهدين وفخرهم.
هكذا فعلها جمهور الكرة، وهكذا وضع اتحاد الكتاب أمام مفارقة تستحق التوقف، فكيف تنجح مدرجات كرة القدم في استحضار ذاكرة الوطن والاحتفاء بنصره، بينما تغيب الكلمة الرسمية عن مؤسسة ثقافية يُفترض أن تكون في مقدمة المحتفين بمناسباته الوطنية، وأن تضطلع بدور أساسي في صون ذاكرته وترسيخ الوعي بتاريخه؟
أليس غريبًا أن يسبق جمهور في مباراة كرة قدم مؤسسةً تجمع أصحاب الأقلام والفكر والإبداع إلى الاحتفاء بذكرى نصر أكتوبر؟ وأليس أكثر إثارة للتساؤل أن تمر هذه المناسبة الوطنية الكبرى دون أن نعثر، حتى وقت كتابة هذه السطور، على بيان تهنئة معلن للاتحاد عبر قنواته الرسمية المتاحة؟
لسنا نتحدث عن كيان عابر في الحياة العامة، بل عن اتحاد كتاب مصر، بما له من مكانة، وما يضمه من قامات أدبية وفكرية، وما احتضنه تاريخه من أسماء أسهمت في تشكيل الوعي المصري، ومن مبدعين شاركوا في معركة الوطن، كلٌّ من موقعه، بدمه أو بقلمه أو بفكره. ومن ثم، فإن غياب بيان رسمي يحتفي بذكرى النصر ليس مجرد تفصيل إعلامي عابر، بل يفتح بابًا مشروعًا للمساءلة عن أولويات المؤسسة ومدى حضورها في المناسبات التي تمس وجدان المصريين وذاكرتهم الوطنية.
وإذا كانت الصفحة الإعلامية للاتحاد نافذته الرسمية للتواصل مع الجمهور، فإن غياب الاحتفاء بذكرى أكتوبر عن محتواها المعلن، في الوقت الذي تحظى فيه أنشطة وموضوعات أخرى بمساحة من النشر والتغطية، يطرح تساؤلات عن طبيعة الأولويات التي تحكم عملها، وعن دور اللجنة الإعلامية في التعبير عن هوية المؤسسة ورسالتها. فأي جدوى من نشاط إعلامي لا يمنح مناسبة وطنية بهذا الحجم ما تستحقه من اهتمام؟
ولا يمكن اتخاذ إقامة ندوة أو أمسية ثقافية محدودة الحضور، لا يكاد يسمع عنها سوى من شاركوا فيها، ولا يتجاوز عدد حضورها أصابع اليدين، مبررًا لغياب بيان رسمي يهنئ بنصر أكتوبر، أعظم انتصاراتنا العسكرية. فقد أقامت حضانات ومدارس احتفالات وفعاليات بإمكانات محدودة، لكنها جاءت في منتهى العظمة بما حملته من مشاعر وطنية صادقة، وما عكسته من حرص على تعريف الأجيال الجديدة بقيمة النصر وتضحيات أبطاله.
فكيف تنجح هذه المؤسسات، بإمكاناتها المتواضعة، في التعبير عن احتفائها بذكرى النصر، بينما يغيب البيان الرسمي عن اتحاد الكتاب، الذي تُنفق من ميزانيته ملايين الجنيهات تحت بند الأنشطة الثقافية، التي لا يتجاوز صداها، جدران القاعات التي تُقام فيها.
إن المقارنة هنا ليست انتقاصًا من قيمة الندوات والأمسيات الثقافية، وإنما تساؤل عن جدوى الأنشطة وأثرها، وعن قدرة المؤسسة على تجاوز حدود قاعاتها والوصول إلى المجتمع الذي يفترض أنها تمثله.
والمشهد الذي صنعه جمهور الأهلي والزمالك لا يستحق الإشادة فحسب، بل يكشف عن حقيقة ثقافية وإنسانية مهمة؛ فغالبية جمهور المدرجات أبناء أجيال الثمانينيات والتسعينيات والألفينات لم يعاصروا حرب أكتوبر، ولم يشهدوا عبور القناة أو اقتحام خط بارليف، ولم يعيشوا تفاصيل المعركة التي أعادت لمصر أرضها وكرامتها. ومع ذلك، حملوا في وجدانهم اعتزازًا بالنصر، تجلى في مدرجات مباراة كرة قدم، وأثار إعجاب المشاهدين وتصفيقهم.
فمن أين جاء هذا الشعور؟
لقد كان للقوة الناعمة المصرية دور مهم في نقل روح أكتوبر إلى هذه الأجيال، عبر الأفلام التسجيلية والوثائقية، والأعمال الفنية، والأغاني الملحمية التي استحضرت البطولة والتضحية، وربطت أبناء الحاضر بتاريخ لم يعيشوه، لكنهم أصبحوا يشعرون بأنه جزء من هويتهم وذاكرتهم الوطنية. وهنا تتجلى قدرة الثقافة والفن على تجاوز حدود الزمن، ونقل التجارب الوطنية من جيل إلى آخر، حتى تظل البطولات حاضرة في الوجدان، رغم مرور العقود.
ومن هذه الزاوية تحديدًا تتضح مسؤولية اتحاد الكتاب، فالمؤسسة التي تمثل أصحاب الأقلام لا ينبغي أن تكون بعيدة عن مناسبة جسدت فيها الفنون والإبداعات قدرتها على حفظ الذاكرة الوطنية وترسيخ الانتماء. وإذا كان جمهور الكرة قد عبّر عن اعتزازه بالنصر بلغته، فإن من واجب المؤسسة الثقافية أن يكون لها حضورها الذي يليق برسالتها، وأن تسهم في إبقاء هذه الذاكرة حية في وجدان الأجيال الجديدة.
إن القضية لا تتعلق ببيان تهنئة يُنشر ثم يُطوى، ولا بكلمات تقال لمجرد استكمال واجب بروتوكولي، بل بمعنى وجود المؤسسة الثقافية ودورها في الحياة العامة. فالاتحاد الذي يمثل الكتاب والمبدعين ينبغي ألا يقتصر حضوره على أنشطته الداخلية وشؤونه الإدارية، بل عليه أن يكون حاضرًا في المناسبات التي تتصل بتاريخ الوطن ووجدانه، وأن يدرك أن الصمت في مثل هذه المواقف يثير تساؤلات مشروعة عن أولوياته ومدى اضطلاعه بمسؤوليته الثقافية والوطنية.
ومن حق أعضاء الاتحاد والرأي العام أن يطالبوا بمساءلة ثقافية وأدبية عن هذا الغياب، وأن يعرفوا كيف تُحدد أولويات المؤسسة، وما المعايير التي تحكم أنشطتها وفعالياتها، ومدى قدرتها على تحويل ما تنفقه على الثقافة إلى أثر ملموس يتجاوز حدود القاعات ويصل إلى المجتمع.
لقد أعطى جمهور الأهلي والزمالك المثل، وأثبت أن نصر أكتوبر لا يزال حيًا في وجدان أجيال لم تعاصر الحرب، لكنها ورثت الاعتزاز بها عبر ما حفظته الثقافة والفنون من بطولات وتضحيات.
أما اتحاد كتاب مصر، فعلى الله حكايته!
لأنه لم يصدر حتى الآن بيان تهنئة بمناسبة ذكرى نصر أكتوبر يحيّي فيه القوات المسلحة المصرية ويهنئ أعضاءه والشعب المصري بهذه الذكرى
المقال يقارن بين غياب الكلمة الرسمية من اتحاد كتاب مصر وبين احتفاء جمهور الأهلي والزمالك بنصر أكتوبر عبر لافتات وطنية في المدرجات
يرى أنها نقلت روح أكتوبر إلى أجيال لم تعاصر الحرب عبر الأفلام التسجيلية والوثائقية والأعمال الفنية والأغاني الملحمية


