مع اقتراب فصل الشتاء، تتجدد مأساة أهلنا في قطاع غزة، حيث يواجه الأطفال والنساء وكبار السن قسوة البرد والجوع والمرض، في ظل ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، بعدما فقدت أسر كثيرة منازلها، وأصبح آلاف النازحين يفترشون الطرقات والأرض، بلا مأوى يحميهم من المطر، ولا أغطية تقي أجسادهم الصغيرة من برد الشتاء القاسي.

وبينما ينشغل العالم بتطورات الحرب الأمريكية الإيرانية، وتتسع دائرة الصراعات والاعتداءات في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان وسوريا، تتراجع مأساة الفلسطينيين أحيانًا عن صدارة المشهد، وكأن معاناتهم أصبحت خبرًا معتادًا في نشرات الأخبار، رغم أن خلف كل صورة طفلًا جائعًا، وأمًّا عاجزة عن توفير الطعام لأبنائها، وأسرة تبحث عن سقف يحميها من المطر.

وفي مواجهة هذه المأساة، تواصل مصر أداء دورها الإنساني تجاه أشقائها الفلسطينيين، من خلال جهود الهلال الأحمر المصري، حيث تضمنت المساعدات الموجهة إلى قطاع غزة 66 ألف سلة غذائية، وألف بطانية، و10 آلاف و912 خيمة لإيواء المتضررين الذين فقدوا بيوتهم واضطروا إلى النوم في العراء، في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الإنسانية.

إنها مساعدات تحمل رسالة تضامن وأخوة، وتؤكد أن الشعب الفلسطيني ليس وحده في محنته، وأن مصر، التي تربطها بفلسطين علاقات تاريخية وإنسانية راسخة، تقف إلى جانب أشقائها في مواجهة تداعيات الحرب، وتخفيف معاناة الأسر التي أنهكها النزوح والفقد والجوع.

لكن المأساة أكبر من أن تحتويها قوافل الإغاثة وحدها؛ فالسلال الغذائية لا تكفي لإنهاء الجوع المستمر، والخيام لا تعوض البيوت المدمرة، والبطاطين لا تستطيع وحدها حماية الأطفال من الأمراض التي تهددهم نتيجة البرد والرطوبة وتدهور الأوضاع الصحية، وانتشار القوارض والحشرات في بعض أماكن النزوح، ونقص المياه النظيفة والأدوية ومستلزمات النظافة.

إن أطفال غزة لا يحتاجون إلى الطعام والدفء فقط، بل يحتاجون إلى حقهم في الحياة والأمان والمستقبل. فمن المؤلم أن يكبر طفل فلسطيني وهو لا يعرف إن كان سيجد وجبة تسد جوعه، أو مكانًا آمنًا ينام فيه، أو دواءً يخفف ألمه، بينما يفترض أن تكون الطفولة مرحلة للأحلام والتعلم واللعب، لا معركة يومية من أجل البقاء.

وفي خضم هذه المعاناة، لا يجوز أن تغيب القضية الفلسطينية عن الضمير العالمي، أو أن تطغى الحسابات السياسية والعسكرية على حقوق شعب يتطلع إلى الحرية والاستقلال. فالمساعدات الإنسانية، على أهميتها وضرورتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن الحل السياسي العادل الذي ينهي معاناة الفلسطينيين، ويضع حدًا لدورات الحرب والدمار والنزوح.

إن تحقيق حلم الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية ومبدأ حل الدولتين، ليس مجرد مطلب سياسي، بل هو حق أصيل للشعب الفلسطيني، وخطوة أساسية نحو سلام عادل ودائم في المنطقة. فلا يمكن أن يتحقق السلام الحقيقي بينما يظل شعب محرومًا من تقرير مصيره، ويعيش أطفاله بين أنقاض المنازل وتحت وطأة الخوف والجوع والتشرد.

ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي، والدول العربية، والمنظمات الإنسانية، للتحرك العاجل من أجل توفير الغذاء والدواء والخيام والبطاطين ووسائل التدفئة، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها دون عوائق، وحماية المدنيين، والضغط من أجل وقف الاعتداءات واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.

كما أن المطلوب هو ألا يقتصر التضامن العربي على المواقف المعلنة، بل يتحول إلى برامج إغاثة مستدامة، وتعاون حقيقي لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وتوفير مقومات الحياة الكريمة لأهل غزة، حتى يستطيعوا استعادة حياتهم والتمسك بأرضهم وحقهم في المستقبل.

إن ما تقدمه مصر عبر الهلال الأحمر المصري من مساعدات إنسانية يمثل رسالة تضامن مهمة، لكنه يذكرنا أيضًا بأن حجم المأساة يتطلب تضافر جهود الجميع، وألا تُترك دولة واحدة أو مؤسسة إنسانية وحدها في مواجهة احتياجات بهذا الحجم.

«زاد العزة من مصر إلى غزة» ليس مجرد عنوان لقوافل المساعدات، بل نداء إنساني إلى العالم كله: لا تتركوا أطفال فلسطين يواجهون الشتاء وحدهم.

فخلف كل خيمة حكاية أسرة فقدت بيتها، وخلف كل سلة غذائية طفل ينتظر وجبة، وخلف كل بطانية أم تحاول أن تحمي أبناءها من البرد بما تبقى لديها من قوة وصبر.

ومع اقتراب الشتاء، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه على الضمير الإنساني: إلى متى يظل أطفال غزة يدفعون ثمن الحروب والصراعات، ويحلمون بأبسط حقوقهم في الطعام والدفء والأمان؟

إن فلسطين لا تحتاج إلى تعاطف موسمي ينتهي بانتهاء الشتاء، بل إلى دعم عربي ودولي مستمر، وإرادة سياسية جادة تنهي معاناة شعبها، وتفتح الطريق أمام إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

غزة تستحق الحياة، وأطفال فلسطين يستحقون شتاءً دافئًا، وبيتًا آمنًا، وسماءً لا تمطر قنابل، ومستقبلًا يعيشون فيه أحرارًا على أرضهم.

فلتكن قوافل العزة بداية طريق لا ينقطع، وليكن التضامن فعلًا مستمرًا، حتى لا يموت طفل من البرد أو الجوع، وحتى يتحقق حلم الفلسطينيين في الحرية والاستقلال والسلام.

الأسئلة الشائعة

قدمت مصر عبر الهلال الأحمر المصري 66 ألف سلة غذائية وألف بطانية و10 آلاف و912 خيمة لإيواء المتضررين الذين فقدوا بيوتهم

لأن كثيرًا من الأسر فقدت منازلها ويعيش آلاف النازحين في العراء بلا مأوى أو أغطية كافية وسط برد شديد وجوع ومرض ونقص في المياه النظيفة والأدوية

هو نداء إنساني إلى العالم كله لعدم ترك أطفال فلسطين يواجهون الشتاء وحدهم ولتحريك الدعم العاجل لهم