لا يمكن اختزال ما تشهده الساحة الفرنسية في مجرد مشاهد للاحتجاج والعنف؛ فخلف الغليان في الشارع تتراكم أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية معقدة.
يقع في قلب هذا الاحتقان ارتفاع مستمر في تكاليف المعيشة، وتراجع في جودة الخدمة العامة، وقلق متزايد حول مستقبل الأجيال الشابة، إلى جانب اتساع الفجوة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
لقد انطلقت التحركات الأخيرة بمطالب مشروعة رفعها الطلاب والشباب قبل أن تتسع لتشمل شرائح اجتماعية أوسع تئن تحت وطأة الضغوط الاقتصادية.
ومع تصاعد نبرة الشارع، دخلت الأحزاب السياسية على خط الأزمة لتبدأ عملية تحول تدريجي للمطالب الشعبية إلى مادة في صراع سياسي تتداخل فيه الحسابات الانتخابية مع الغضب العارم. وهنا يبرز السؤال الجوهري هل ما زال المواطن هو صاحب القضية أم تحول إلى مجرد أداة في معركة يخوضها الآخرون باسمه
وبين مشروعيه المطالب والتخوف من الاستغلال تعكس الحقائق الميدانية معاناة حقيقية فالطلاب الذين يدرسون في ظروف معقدة، والأسر العاجزة عن مواجهة أعباء المعيشة والمواطنون الذين فقدوا الثقة في قدرة الاستجابة الحكومية يملكون أسبابًا منطقية للتظاهر والمطالبة بالتغيير.
غير أن مشروعية الغضب لا تنفي احتمال استغلاله سياسيًا إذ تسعى القوى السياسية لتوسيع قواعدها الشعبية عبر طرح خطابها كبديل للسياسات القائمة.
ومع ذلك، فإن الاستفادة السياسية من الأزمة لا تعني بالضرورة توجيه اتهامات مباشرة لحزب معين بالوقوف خلف الشغب؛ ما يوجب التمييز الدقيق بين دعم المطالب المحقة وبين التحريض على الفوضى. يقع الجميع في فخ العنف والتحريض علي الفوضي
فمهما بلغت عدالة المطالب تبقى أعمال إحراق الممتلكات وتخريب المؤسسات ونهب المتاجر وسائل غير مقبولة للإصلاح. فقد ينجح العنف مؤقتًا في فرض الأزمة على جدول أعمال الحكومة لكنه لا يضمن إصلاحًا اقتصاديًا مستدامًا ولا يعالج مشكلات التعليم.
على العكس تمامًا، حين تتحول الشوارع إلى ساحات مواجهة تتراجع القضايا المعيشية الأساسية لصالح التغطيات الأمنية وصور الحرائق لينصرف اهتمام المواطن الخائف على أمنه من أسباب الاحتجاج إلى المطالبة باستعادة النظام.
لكن السوال هو لماذا الآن؟
الاجابه ببساطه هي انه يأتي توقيت هذا التصعيد متزامنًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتحول الشارع إلى منصة للدعاية المبكرة إذ تلقي الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027 بظلالها على الأزمة لتصبح الهموم الاجتماعية مادة دسمة للخطاب السياسي.
وبين هذا وذاك تتوزع الأطراف السياسية أدوارها بين معسكر يقدم وعودًا برّاقة بزيادة الأجور وتحسين الخدمات وخفض التكاليف وبين معسكر يستثمر مشاهد الفوضى للتركيز على ملفات الأمن والحزم والنظام العام
لكن المحك الحقيقي لهذه الوعود ليس في صخب الخطابات بل في قابليتها للتنفيذ ووجود خطط تمويل واقعية فالمواطن لا يحتاج إلى وعود انتخابية، بل إلى حلول عملية قابلة للمحاسبة. ولا اخفي بان
تتحمل الحكومة المسؤولية السياسية عن جودة الخدمات وعدالة توزيع الأعباء، ومن حق الشارع انتقادها ومطالبتها بإجابات واضحة. لكن مسؤوليّة الأوضاع العامة تختلف عن المسؤولية المباشرة عن أحداث العنف فلا يجوز استخدام أخطاء المخرّبين بذريعة تجاهل مطالب الجمع، كما يُفترض حصر استخدام القوة الأمنية بالقانون والتحقيق في أي تجاوزات.
بل الوضع يتطلب معالجة هذا الخطر بوضع انسجامًا بين أطراف متعدده حكومه تستجيب ومتظاهرون يلتزمون السلمية وأحزاب تطرح برامج واقعية ومؤسسات تطبق القانون على الجميع.
في نهاية المطاف، قد تكسب بعض القوى السياسية جولة انتخابية عبر الاستثمار في غضب الشارع، لكن تحديد الرابح الحقيقي يقترن بالنتائج لا بالنيات؛ فإذا أفضت الحركات الاحتجاجية إلى إصلاحات ملموسة تُحسن القدرة الشرائية وتطور التعليم، يكون المجتمع قد حقق كسبًا حقيقيًا. أما إذا انتهت الجولة إلى مزيد من الاستقطاب والدمار، فسيكون المواطن وفئة الشباب خاصة هو الخاسر الأكبر في أمنه ومستقبله.
يربط المقال الاحتقان بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع جودة الخدمة العامة والقلق على مستقبل الشباب واتساع الفجوة بين المواطنين ومؤسسات الدولة
بدأت التحركات بمطالب مشروعة رفعها الطلاب والشباب ثم اتسعت لتشمل شرائح اجتماعية أوسع متضررة من الضغوط الاقتصادية
لأن الأحزاب دخلت على خط الأزمة وحولت المطالب الشعبية تدريجيًا إلى مادة في صراع سياسي يتداخل فيه الحساب الانتخابي مع الغضب الشعبي، خصوصًا مع اقتراب انتخابات 2027


