تفاوتت الأساليب الأمنية التي واجهت بها الأجهزة الشرطية موجة الاحتجاجات المتزامنة التي شهدتها مدن أوروبية عدة على مدار الأيام الماضية، حيث تراوحت التدخلات بين استخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص المطاطي، وصولا إلى قنابل تفريق الحشود التي خلفت إصابات جسدية بليغة، ما أثار موجة انتقادات حقوقية واسعة وتحقيقات داخلية في مدى تناسب استخدام القوة.

ورغم تزامن التظاهرات في كل من فرنسا وألبانيا والبرتغال وبلجيكا وإيطاليا، إلا أنها مثّلت مسارات منفصلة وغير منسقة؛ إذ تقاطعت جزئيا في ملفات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وأزمات السكن وتدهور قطاع التعليم والاعتراض على سياسات التقشف والحروب.
1_1_11zon

فرنسا: تدقيق حقوقي في تعامل الشرطة مع المتظاهرين

شهدت الساحة الفرنسية التدخلات الأكثر عنفا وإثارة للجدل الرقابي، بعدما انطلقت احتجاجات المدارس الثانوية منتصف سبتمبر الماضي؛ رفضا لنقص المعلمين واكتظاظ الفصول وتدهور البنية التحتية.
ورغم وعود الحكومة بإرسال 3 آلاف معلم بديل، اتسعت رقعة الغضب لتنضم إليها نقابات وطلاب جامعات وفصائل من حركة “السترات الصفراء” رفضا لمشروع موازنة 2027 الذي يجمد أجور القطاع العام ويرفع بعض الضرائب، لتسجل مظاهرات يوم أمس السبت مشاركة قدرت بـ550 ألفا وفق تقديرات وزارة الداخلية، ونحو 800 ألف مشارك وفق نقابة “الكونفدرالية العامة للعمل”.

ووثقت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية استخدام الشرطة للغاز، وقنابل تفريق الحشود، والهراوات، والرصاص المطاطي ضد مسيرات كان معظمها سلميا، كاشفة عن توقيف أكثر من 6800 شخص منذ بدء الحراك يشكل القاصرون 86% منهم، إلى جانب فتح 36 تحقيقا داخليا.
2_2_11zon
بدورها، أعربت منظمة العفو الدولية والهيئة الاستشارية الوطنية لحقوق الإنسان ومكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، عن قلق بالغ من التدخلات غير المتناسبة ضد الشباب، فيما اعتبرت مصادر حكومية أن معظم الإصابات لم تنجم عن تدخل الأمن، وفقا لصحيفة “لوموند” المحلية.

إصابات خطيرة بين القاصرين جراء تعامل الشرطة مع المتظاهرين

كشفت وكالة “رويترز” عن توثيق 28 حالة إصابة ناجمة عن استخدام القوة، منها 15 واقعة تباشر المفتشية العامة للشرطة الفرنسية التحقيق فيها.
وكان من بين أبرز الحالات فتى يبلغ 15 عاما فقد يده إثر انفجار قنبلة لتفريق الحشود قرب مدرسة في لينس، وإصابة فتى آخر يبلغ 14 عاما بكسر في الفك وتلف بأسنانه جراء قنبلة غاز أطلقت من مسافة قريبة، ما دفع السلطات لتوجيه اتهام رسمي إلى ضابط شرطة، فضلا عن إصابة فتى يبلغ 16 في عينه بمقذوف لم يُحسم نوعه.
3_3_11zon
ويوم أمس السبت، تحولت المسيرات إلى اشتباكات وأعمال تخريب شملت حرق سيارات ومتاجر ومبان عامة؛ واستخدمت الشرطة الغاز وخراطيم المياه.
وأعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، توقيف 1200 شخص وإصابة 150 شرطيا، لترتفع الحصيلة بحسب وزير داخليته إلى 1800 موقوف وإصابة أكثر من 500 عنصر أمن ورجل إطفاء.
وتكررت واقعة بتر الأطراف في مدينة سان إتيان حيث فقد فتى عمره 17 عاما يده إثر انفجار قنبلة وسط تحقيق مفتوح تحقق النيابة ومفتشيتي الشرطة والدرك فيه، عقب إعلان وزير الداخلية السماح للشرطة باستخدام أسلحتها الوسيطة في مواجهة العنف الحضري بعد تعليق مؤقت لأحد أنواع القنابل.
4_4_11zon

ألبانيا والبرتغال: رصاص مطاطي وفض مخيمات

اتخذت المواجهات في العاصمة الألبانية تيرانا طابعا حادا بتداخل مطالب الطلاب الخاصة بضعف المرافق وفرص العمل مع تحركات دعت لاستقالة رئيس الوزراء إيدي راما ونددت بالفساد؛ حيث واجهت الشرطة المحتجين بالغاز وخراطيم المياه والهراوات إثر إلقاء الحجارة وحرق الحاويات.
5_5_11zon
وأكدت وكالة “فرانس برس”، استخدام الشرطة للرصاص المطاطي للمرة الأولى وبشكل وصفته قيادة الأمن بـ”المحدود”، في حين سجلت وزارة الصحة إصابة 35 شخصا بينهم 17 متظاهرا و18 شرطيا.
6_6_11zon
وقرر رئيس الشرطة تعليق خدمة 7 ضباط وفتح إجراءات تأديبية لتجاوز الصلاحيات وعدم احترام مبدأ التناسب، وسط تحقيقات تطالب بها لجنة حماية الصحفيين بعد إصابة مصورين لوكالة “رويترز” برصاص مطاطي ونقل 3 إعلاميين إلى المستشفى.
7_7_11zon
وفي البرتغال، فضت الشرطة عند فجر الخميس الماضي، مخيما احتجاجيا في بورتو بالقوة.
وأفادت منظمة العفو الدولية، بمشاركة نحو 40 شرطيا وإصابة 37 شخصا بينهم إصابتان خطيرتان وشخص من ذوي الإعاقة، وسط مطالبات بتحقيق مستقل وفتح هيئة التفتيش الداخلي للإدارة تحقيقا إداريا، واعتراض حقوقي على الحظر القانوني الشامل للتظاهر ليلا.

View this post on Instagram.

A post shared by Daniel M. Carapau (@danielcarapaupt).

وشهدت لشبونة فيوم أمس السبت مسيرة منفصلة نصبت خلالها خيام في ساحة روسيو للمطالبة بزيادة الأجور وخفض تكاليف السكن.

بلجيكا وإيطاليا: الغاز وخراطيم المياه ضد المتظاهرين

واجهت الشرطة البلجيكية في بروكسل ولييج احتجاجات طلابية امتدت لأسابيع ضد رفع رسوم التسجيل الجامعي، واستخدمت الغاز وخراطيم المياه عقب تعرض عناصرها لمقذوفات وزجاجات وألعاب نارية، مع توقيف نحو 10 أشخاص، وهو ما وصفه وزير الداخلية البلجيكي بـ”العنف المنظم والمتكرر”.
8_8_11zon
وفي إيطاليا، بدأت مسيرة ميلانو ضد غلاء المعيشة والحروب بسلمية قبل أن يلقي ملثمون قطعا من الأرصفة ويشعلوا حواجز.
وردت الشرطة بالغاز وخراطيم المياه، ما أسفر عن إصابة شرطيين واحتجاز 50 متظاهرا بينهم قاصرون، بينما شهدت بولونيا اعتقال 7 أشخاص.
9_9_11zon
وعلقت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، بالتأكيد على أن التظاهر حق دستوري مع إدانة التخريب، فيما اعتبرت بلدية ميلانو أن دوافع الغضب مفهومة لكن العنف غير مبرر.

المعايير الدولية والرقابة على تعامل الشرطة مع المتظاهرين

تعيد هذه الوقائع تسليط الضوء على المعايير الحقوقية الدولية، وبشكل خاص التعليق العام رقم 37 للجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، الذي يقرر صراحة أن ارتكاب بعض الأفراد لأعمال عنف لا يسقط الحماية القانونية عن بقية المشاركين، ويخضع استخدام القوة لقيود القانون والضرورة والتناسب المشددين.
10_10_11zon
وتتطابق هذه الإشكاليات مع تقارير منظمة العفو الدولية لعام 2024 التي رصدت قيودا واستخداما مفرطا للقوة في 21 دولة، وتقرير مكتب منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لعام 2025 حول تجمعات فرنسا ودول أخرى، وسجل سابق أعدته المنظمة في يونيو 2026 حول ممارسات الشرطة العقابية في اليونان.
وتكشف الحصيلة الشاملة عن فجوة في استخدام الأدوات؛ إذ تصدرت فرنسا معدلات الإصابات الجسيمة بين القاصرين، ولجأت ألبانيا للرصاص المطاطي وتوقيف الضباط، بينما لجأت البرتغال للفض الليلي للمخيمات، واقتصرت أدوات بلجيكا وإيطاليا على الغاز والخراطيم المائية، في وقت لا تزال فيه التحقيقات القضائية والإدارية مفتوحة دون إصدار أحكام نهائية تحدد المسؤوليات الجنائية بدقة.

الأسئلة الشائعة

استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والهراوات والرصاص المطاطي وقنابل تفريق الحشود بحسب البلد وطبيعة المواجهات

شهدت فرنسا أكبر قدر من الجدل بعد توثيق إصابات خطيرة بين القاصرين وتوقيف أكثر من 6800 شخص وفتح تحقيقات داخلية متعددة

في ألبانيا استخدمت الشرطة الرصاص المطاطي لأول مرة مع تعليق خدمة سبعة ضباط وفتح إجراءات تأديبية بينما فضت الشرطة البرتغالية مخيما احتجاجيا بالقوة وسُجلت إصابات بينها حالتان خطيرتان