في حدث مثير، يعود اسم الفيلسوف الفرنسي فولتير ليحتل الأضواء من جديد، وذلك بمناسبة ذكرى رحيله التي تصادف الثلاثين من مايو، ومعها تثار تساؤلات حول مسرحيته الشهيرة “النبي محمد أو التعصب”، والتي أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الثقافية والدينية، فهل كان فولتير يهاجم الإسلام حقًا، أم أنه كان يسخر من التعصب الديني بشكل عام؟
تُعرض المسرحية التي قُدمت لأول مرة في 1741 من خلال شخصيات وأحداث تبدو بعيدة عن التاريخ الإسلامي، حيث استخدم فولتير أسماء مثل عمر وزينب كأقنعة درامية في نصه، وهذا ما دفعني للتساؤل عن دوافع كتابة المسرحية، وما إذا كان فولتير فعلاً يستهدف الإسلام، أم كان يحاول إلقاء الضوء على التعصب المسيحي في عصره.
من المثير للدهشة أن فولتير، الذي عاش في زمن مليء بالصراعات الدينية، استخدم “القناع الإسلامي” كوسيلة لانتقاد الكنيسة المسيحية، وهذا ما أكده المؤرخ الفرنسي بيير ميليز، مشيرًا إلى أن الهدف الحقيقي لم يكن الإسلام، بل التعصب الديني المسيحي. هذا يجعلنا نتساءل: هل كان فولتير مفكرًا براجماتيًا، أم أنه كان يعيش حالة من الاضطراب الفكري؟
في سنواته الأخيرة، تغيرت نبرة فولتير تجاه الإسلام، حيث وصفه بأنه دين حكيم ومليء بالقيم الإنسانية، وهو ما يطرح تساؤلات حول تحولاته الفكرية. فهل كان يعبر عن إيمان حقيقي، أم أنه كان يسعى لإيجاد بدائل أخلاقية في عالم يتسم بالتعصب؟
وربما تكون مسرحية “النبي محمد أو التعصب” نصًا معقدًا، ليس فقط لأنها تهاجم الإسلام، بل لأنها تكشف تناقضات أوروبا التنويرية، ففولتير الذي انتقد التعصب الديني، كان أيضًا يشير إلى الفوارق بين التجربة الإسلامية والواقع الأوروبي.
وأخيرًا، قبل وفاته بشهر واحد، انضم فولتير إلى المحفل الماسوني في باريس، وهو ما يُظهر طبيعة شخصيته المتقلبة والمفتوحة على التحولات، فهل كان انضمامه تعبيرًا عن رغبة في الاندماج في النخبة الفكرية، أم أنه كان مجرد مجاملة لصديقه بنيامين فرانكلين؟
تظل شخصية فولتير معقدة، حيث يتحرك بين الإعجاب والنقد، وبين الهجوم والتقدير، مما يجعل من الصعب اختزال موقفه من النبي محمد ﷺ والإسلام في إطار ضيق، فهو كان يجسد صراعًا طويلًا بين الأفكار الموروثة والحقائق التي اكتشفها لاحقًا.

