احتفلت فرنسا بعيدها الوطني في الرابع عشر من يوليو بعرض عسكري هو الأضخم في تاريخها، حيث تحولت جادة الشانزليزيه في باريس إلى منصة لاستعراض القوة والجاهزية العالية للجيش الفرنسي بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون.
استعراض القوة في ظل تحديات دولية متصاعدة
جاء هذا الاستعراض في وقت يشهد فيه العالم تصاعد الحروب والصراعات الجيوسياسية، مما أثر على إمدادات الطاقة والغذاء والاقتصاد العالمي، حيث طالت تداعيات هذه الأزمات فرنسا رغم بعدها الجغرافي عن بؤر التوتر.
لم يكن العرض العسكري مجرد احتفال تاريخي، بل حمل رسالة قوية من ماكرون حول السيادة الدفاعية وتعزيز القدرات العسكرية، في إطار واحد من آخر العروض العسكرية خلال ولايته الرئاسية الممتدة لعقد كامل.
تحديث المنظومة الدفاعية الفرنسية
يعكس هذا الاستعراض التزامات ماكرون منذ توليه المنصب عام 2017 لتحديث المنظومة الدفاعية، حيث تمثل هذه الفعالية خطوة نحو تعزيز القدرات العسكرية الفرنسية في مواجهة التحديات الدولية.
تتضمن الرسائل السيادية التي بعث بها الاستعراض رؤية ماكرون لتوسيع مظلة الردع النووي، بالإضافة إلى التدريبات الميدانية في مناورات “أوريون” التي تهدف إلى إعداد القوات لمواجهة سيناريوهات قتالية معقدة.
قفزة تاريخية في ميزانية الدفاع
تجسد هذا التوجه في القفزة التاريخية لميزانية الدفاع التي بلغت 2% من الناتج المحلي الإجمالي، مع إقرار قانون برمجة عسكرية جديد يرفع الميزانية إلى 64 مليار يورو بحلول عام 2026، مما يعكس إصرار باريس على امتلاك جيش حديث.
سجل العرض العسكري هذا العام أرقامًا قياسية، حيث شارك فيه 6686 عسكريًا و315 مركبة، بالإضافة إلى 98 طائرة و31 مروحية، مع خطة لزيادة عدد قوات الاحتياط إلى 105 آلاف عنصر بحلول عام 2030.
شهد العرض إدماج تقنيات الحروب المستقبلية، حيث شاركت 60 مركبة مسيّرة، بالإضافة إلى مدرعات الجيل الجديد، مما يعكس محاكاة واقعية لظروف المعارك الحديثة.
استعراض جوي غير مسبوق فوق باريس
تميز العرض الجوي هذا العام بتشكيل استثنائي ضم نحو 130 طائرة، حيث تم إطلاق منصة رقمية تتيح تتبع العرض لحظة بلحظة، مما يعزز من تفاعل الجمهور مع الحدث.
تحت شعار “الصحوة الاستراتيجية الأوروبية”، حضر نحو 30 من قادة الدول، مما أضفى طابعًا دوليًا بارزًا على العرض، حيث تم دعوة قادة تحالف الراغبين للمشاركة في رسالة وحدة.
افتتح العرض البري بقرابة 500 عسكري يمثلون 35 دولة حليفة، فيما اختتمه الوفد الأوكراني في رمز قوي للتضامن الدولي.
على الصعيد الإنساني، التقى ماكرون عائلات العسكريين الذين سقطوا في العمليات الأخيرة، مما يعكس تقدير الدولة لتضحياتهم.
حرصت الرئاسة الفرنسية على أن يحافظ العرض على طابعه الشعبي، حيث تم تخصيص مساحات للجمهور لضمان أفضل ظروف من حيث الأمن والرؤية.
في ختام العرض، تم رفع علم فرنسي ضخم إلى جانب أعلام الدول المشاركة، حيث أكد ماكرون على استمرارية التقاليد العسكرية الراسخة.
وجهت فرنسا رسالة واضحة بعد هذا الاستعراض، مفادها أنها تفي بالتزاماتها الاستراتيجية تجاه أمنها القومي وتجاه حلفائها، مؤكدة على استقلالية القرار الأوروبي وجاهزية الجيش لمواجهة تحديات المستقبل.

