لم يعد الدين الخارجي لمصر مجرد ملف مالي يُدار من موعد استحقاق إلى آخر، وإنما أصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إدارة الاقتصاد وحماية القرار الوطني وتحسين مستوى معيشة المواطنين، موضحًا أن المشكلة ليست في الاقتراض من حيث المبدأ، وإنما في تحوله إلى حل متكرر لتمويل احتياجات لا تنتج عائدًا يكفي لتغطية تكلفتها.

وقال سامح، في تصريحات خاصة لـ«الحرية»، إن الدين يمكن أن يكون أداة للنمو إذا وُجّه إلى الإنتاج والاستثمار، لكنه يتحول إلى عبء عندما يُستخدم لتغطية فجوات متكررة دون تغيير جذري في أسبابها، مشيرًا إلى أن خدمة الدين الخارجي تعني طلبًا مستمرًا على الدولار، ما يزيد الضغوط على سوق الصرف عند تزامن الاستحقاقات مع ارتفاع احتياجات الاستيراد أو تراجع أحد مصادر النقد الأجنبي.

خدمة الدين تزيد الضغوط على الدولار

وأوضح سامح أن الضغوط على سوق الصرف تنعكس في النهاية على تكلفة الإنتاج والأسعار والقوة الشرائية للمواطن، مشددًا على ضرورة انتقال الدولة من إدارة أزمة الدولار إلى معالجة أسبابها، من خلال وضع قاعدة واضحة للاقتراض، بحيث يُوجّه التمويل الجديد إلى استثمارات ومشروعات لها عائد اقتصادي قابل للقياس، أو تسهم في زيادة الإنتاج والتصدير وتوفير العملة الأجنبية.

وشدد السياسي واستشاري الاقتصاد على ضرورة تقليص الاقتراض المخصص للإنفاق الجاري أو سد الفجوات المتكررة إلى أدنى الحدود، إلى جانب إعادة هيكلة محفظة الدين بما يسمح بإطالة آجال الاستحقاق، وتقليل تركز الأقساط في سنوات محددة، وخفض تكلفة التمويل، وإدارة مخاطر أسعار الفائدة والعملات بكفاءة أكبر.

زيادة الصادرات وتقليل الاستيراد طريق الخروج من الأزمة

وأشار الشريف إلى أن مواجهة أزمة الدين تبدأ من الاقتصاد الحقيقي، من خلال زيادة الصادرات بدلًا من الاعتماد المتكرر على الاقتراض، وجذب استثمارات إنتاجية بدلًا من الاكتفاء بالتدفقات المالية، وتصنيع المنتجات التي يمكن إنتاجها محليًا بدلًا من استنزاف الدولار في استيرادها.

وأضاف الخبير الاقتصادي أن ذلك يتطلب اتخاذ إجراءات أكثر حسمًا لدعم الصناعة والتصدير، وتسهيل الاستثمار، وتقليل البيروقراطية، وتسريع الإفراج عن مستلزمات الإنتاج، وربط الحوافز الحكومية بزيادة الإنتاج والصادرات وفرص العمل، إلى جانب التعامل مع السياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج باعتبارها ركائز للأمن الاقتصادي، مع تنويع مصادر النقد الأجنبي لتقليل تأثر الاقتصاد بالصدمات الإقليمية والدولية.

مراجعة الإنفاق العام وإعادة ترتيب الأولويات

ولفت الشريف إلى أن الدولة مطالبة بمراجعة أولويات الإنفاق العام، وتوجيه الموارد إلى القطاعات الأكثر قدرة على خلق قيمة مضافة وتوفير فرص العمل وزيادة موارد النقد الأجنبي، مع منح القطاع الخاص مساحة أكبر للقيام بدوره في الاستثمار والإنتاج والتشغيل، مؤكدًا أن تحقيق معدلات نمو مستدامة يتطلب عدم تحميل الدولة وحدها العبء الأكبر من النشاط الاقتصادي والاستثماري.

وأوضح سامح أن حصيلة بيع الأصول والصفقات الاستثمارية الكبرى يجب التعامل معها باعتبارها موارد استثنائية، لا بديلًا دائمًا عن الإصلاح الهيكلي، بما يضمن عدم الاعتماد عليها بصورة متكررة في معالجة الاختلالات الاقتصادية.

خطة معلنة لإدارة الدين الخارجي

وطالب الشريف الحكومة بوضع خطة معلنة وقابلة للقياس لإدارة الدين الخارجي، تتضمن خفض صافي الاحتياجات التمويلية الخارجية تدريجيًا، وإطالة آجال الاستحقاقات وتقليل تركز الأقساط، وتوجيه الاقتراض الجديد إلى مشروعات إنتاجية ذات عائد واضح، ورفع الصادرات وخفض فاتورة الاستيراد من خلال التصنيع المحلي.

كما دعا سامح إلى جذب استثمارات أجنبية مباشرة مرتبطة بالإنتاج والتصدير، وزيادة كفاءة الإنفاق العام وتعظيم العائد من أصول الدولة، إلى جانب نشر مؤشرات أكثر وضوحًا بشأن تطور الدين والاستحقاقات ومصادر تمويلها، مؤكدًا أن المواطنين من حقهم معرفة اتجاه سياسة الدين، والجهات التي تتحمل تكلفته، والوقت المتوقع لظهور نتائج الإصلاح على حياتهم اليومية.

الإنتاج أولًا لتقليل الاعتماد على الدولار

وأكد الشريف أن المعركة الحقيقية لا تتعلق برقم الدين وحده، وإنما بالنموذج الاقتصادي الذي يجعل البلاد في حاجة متكررة إلى الدولار الخارجي، مشيرًا إلى أن مصر تمتلك مقومات إنتاجية وبشرية وجغرافية تؤهلها لبناء اقتصاد أكثر قدرة على توليد النقد الأجنبي، لكن ذلك يتطلب قرارًا سياسيًا واقتصاديًا واضحًا يقوم على إعطاء الأولوية للإنتاج والتصدير والاستثمار المنتج والانضباط المالي.

واختتم الشريف تصريحاته بالتأكيد على أن الاقتراض يمكن أن يشتري وقتًا، لكنه لا يصنع اقتصادًا، بينما الاقتصاد القوي هو القادر على توليد موارده وسداد ديونه دون أن يدفع المواطن ثمن ذلك من دخله وقوته الشرائية.

الأسئلة الشائعة

يرى أن المشكلة ليست في الاقتراض نفسه، بل في تحوله إلى حل متكرر لتمويل احتياجات لا تنتج عائدًا يكفي لتغطية تكلفتها

خدمة الدين الخارجي تعني طلبًا مستمرًا على الدولار ما يزيد الضغوط على سوق الصرف وينعكس لاحقًا على تكلفة الإنتاج والأسعار والقوة الشرائية للمواطن

طالب بخطة معلنة وقابلة للقياس تشمل خفض صافي الاحتياجات التمويلية الخارجية تدريجيًا وإطالة آجال الاستحقاق وتوجيه الاقتراض الجديد لمشروعات إنتاجية ذات عائد واضح