أكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير المالي والاقتصادي، أن نجاح السياسة النقدية لا يُقاس فقط بقدرتها على خفض معدلات التضخم، وإنما بمدى نجاحها في منع ارتفاع الأسعار من التحول إلى سلوك اقتصادي دائم، تتحدد على أساسه قرارات الأفراد والشركات المتعلقة بالإنفاق والإنتاج والاستثمار والتسعير.
وقال شوقي، في تصريحات خاصة لـ “البوابة نيوز”، إن الخطر الأكبر الذي يواجه الاقتصادات لا يتمثل في حدوث موجة عارضة من ارتفاع الأسعار، وإنما في ترسخ التوقعات باستمرار هذا الارتفاع، بما يدفع المنتجين والتجار والمستهلكين إلى اتخاذ قراراتهم على أساس أن الأسعار ستواصل الصعود مستقبلًا، وهو ما يجعل السيطرة على التضخم أكثر صعوبة وتكلفة.
وأوضح أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط بالضرورة بزيادة الطلب المحلي، إذ قد تنشأ الضغوط التضخمية نتيجة عوامل خارجية، أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة والسلع المستوردة، وما يترتب عليها من زيادة تكاليف الإنتاج والنقل والتشغيل.
وأشار إلى أن المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا عندما تتزامن هذه الصدمات مع توسع في السيولة النقدية لا يقابله نمو مماثل في القدرة الإنتاجية للاقتصاد، الأمر الذي قد يحول الارتفاع الأولي في الأسعار إلى موجات تضخمية متتالية، نتيجة التفاعل بين زيادة التكاليف والطلب والأسعار.
إدارة السيولة ودورها في مواجهة التضخم
وشدد الخبير الاقتصادي على أن إدارة السيولة تمثل أحد المحاور الرئيسية للسياسة النقدية، موضحًا أن دور البنك المركزي لا يقتصر على اتخاذ قرارات رفع أسعار الفائدة أو خفضها، بل يمتد إلى إدارة مستويات السيولة داخل الجهاز المصرفي، بما يتوافق مع هدف تحقيق استقرار الأسعار.
وأضاف أن فعالية السياسة النقدية تعتمد كذلك على مدى انتقال تأثير قرارات البنك المركزي إلى أسعار العائد في سوق ما بين البنوك، ومنها إلى تكلفة الائتمان وقرارات الإنفاق والاستثمار، وهو ما يتطلب إدارة دقيقة للسيولة المتاحة.
وأكد شوقي أن الهدف من ضبط السيولة ليس تجفيف الموارد النقدية أو تعطيل حركة التمويل داخل الاقتصاد، وإنما تحقيق التوازن بين حجم السيولة والقدرة الفعلية على إنتاج السلع والخدمات.
وأوضح أن التوسع النقدي غير المتوازن قد يؤدي إلى زيادة الطلب بمعدلات تفوق قدرة الاقتصاد على الاستجابة، بما يضيف ضغوطًا جديدة على الأسعار، في حين يجب الحفاظ على التمويل الضروري للمشروعات الإنتاجية والأنشطة الاقتصادية القادرة على تحقيق قيمة مضافة وزيادة المعروض من السلع والخدمات.
البنك المركزي يسحب 609.71 مليار جنيه من فائض السيولة
واستشهد شوقي بتحركات البنك المركزي المصري الأخيرة في إدارة السيولة المصرفية، مشيرًا إلى قيام البنك المركزي، في 20 أكتوبر 2026، بسحب نحو 609.71 مليار جنيه من فائض السيولة لدى 16 بنكًا، من خلال عطاء لربط الودائع لمدة 7 أيام، بعائد ثابت بلغ 19.5%.
وأضاف أن البنك المركزي سبق أن سحب نحو 293.96 مليار جنيه من فائض السيولة خلال عطاء 6 أكتوبر 2026، بمشاركة 15 بنكًا، وبالعائد نفسه البالغ 19.5%.
وأوضح أن هذه العمليات تعكس استخدام البنك المركزي أدواته النقدية المباشرة لامتصاص فائض السيولة داخل الجهاز المصرفي، بما يساعد على ضبط أوضاع السيولة ودعم انتقال تأثير السياسة النقدية إلى أسعار العائد في سوق ما بين البنوك.
وأكد أن أهمية هذه العطاءات لا تكمن في حجم المبالغ المسحوبة فقط، وإنما في دورها ضمن منظومة متكاملة لإدارة السيولة وتحقيق التوازن النقدي.
ونبه إلى أن سحب السيولة لا يعني بالضرورة انخفاض التضخم بصورة تلقائية أو فورية، إذ يتوقف نجاح السياسة النقدية في احتواء الضغوط التضخمية على مجموعة من العوامل المترابطة، تشمل تطورات الائتمان المصرفي، ومستويات الطلب المحلي، والتكاليف الإنتاجية، واتجاهات التوقعات المستقبلية للأسعار.
لماذا لا تكفي أسعار الفائدة وحدها لاحتواء التضخم؟
وأشار شوقي إلى أن السياسة النقدية، مهما بلغت درجة كفاءتها، لا تستطيع التحكم المباشر في أسعار البترول العالمية أو منع ارتفاع أسعار السلع المستوردة، كما لا يمكنها إزالة الصدمات الخارجية المرتبطة بتراجع المعروض أو اضطراب سلاسل الإمداد.
لكنه أوضح أن البنك المركزي يستطيع الحد من انتقال آثار هذه الصدمات إلى بقية قطاعات الاقتصاد، من خلال إدارة السيولة وضبط الأوضاع النقدية، بما يقلل احتمالات تحول الزيادة المؤقتة في بعض الأسعار إلى موجات مستمرة من التضخم.
وأضاف أن أحد أخطر تداعيات التضخم يتمثل في انتقاله من مجرد ارتفاع فعلي في الأسعار إلى توقعات راسخة لدى الأفراد والشركات، حيث يبدأ المنتجون في رفع أسعار منتجاتهم تحسبًا لزيادة التكاليف مستقبلًا، بينما تتأثر قرارات الإنفاق والأجور والاستثمار بتوقع استمرار ارتفاع الأسعار.
وأكد أن ترسخ هذه التوقعات يجعل التضخم أكثر استمرارًا، حتى مع تراجع بعض العوامل الخارجية التي تسببت في ارتفاع الأسعار من البداية، وهو ما يبرز أهمية الحفاظ على مصداقية السياسة النقدية وقدرتها على تثبيت توقعات التضخم.
الانضباط النقدي وحماية القوة الشرائية
وأوضح الخبير الاقتصادي أن تطبيق سياسة نقدية منضبطة قد يفرض بعض التكاليف الاقتصادية خلال الأجل القصير، خصوصًا فيما يتعلق بتكلفة التمويل وظروف الائتمان، إلا أن تأجيل مواجهة التضخم قد يؤدي إلى تحمل الاقتصاد تكاليف أكبر في المستقبل.
وأشار إلى أن استمرار ارتفاع الأسعار دون احتواء فعال يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين، ويؤثر سلبًا في الثقة بالعملة المحلية، فضلًا عن زيادة حالة عدم اليقين التي تواجه المستثمرين والشركات عند اتخاذ القرارات الاقتصادية.
وأكد أن استعادة الاستقرار السعري بعد ترسخ التضخم تصبح أكثر صعوبة، وقد تتطلب إجراءات نقدية أشد تأثيرًا على النشاط الاقتصادي مقارنة بالتدخل المبكر لاحتواء الضغوط التضخمية.
وشدد على ضرورة تحقيق التوازن بين مواجهة التضخم والحفاظ على قدرة الاقتصاد على تمويل الإنتاج، موضحًا أن السياسة النقدية الناجحة لا تستهدف تقييد النشاط الاقتصادي لذاته، وإنما توفير بيئة مستقرة تسمح للشركات بالتخطيط والتوسع والاستثمار على أسس أكثر وضوحًا.
استقرار الأسعار أساس الثقة والاستثمار
وأكد الدكتور أحمد شوقي أن إدارة السيولة بحكمة لا تمثل مجرد إجراء فني ينفذه البنك المركزي داخل الجهاز المصرفي، وإنما تعد أحد العناصر الأساسية لحماية القوة الشرائية، وتعزيز الثقة في العملة، وتهيئة المناخ المناسب للاستثمار والإنتاج.
وأوضح أن استقرار الأسعار يمنح الأفراد والشركات قدرة أكبر على التخطيط المالي، ويساعد المستثمرين على تقييم التكاليف والعوائد بصورة أكثر دقة، بدلًا من اتخاذ قراراتهم في ظل توقعات مستمرة بارتفاع الأسعار.
واختتم شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن أخطر ما قد يواجه أي اقتصاد ليس ارتفاع الأسعار لمرة واحدة، وإنما وصول المجتمع إلى مرحلة يتعامل فيها الجميع مع استمرار التضخم باعتباره أمرًا حتميًا.
وشدد على أن السياسة النقدية الناجحة هي التي تمنع تحول التضخم إلى ثقافة اقتصادية وسلوك دائم، مؤكدًا أن استقرار الأسعار يبدأ من الإدارة الرشيدة للسيولة، لكنه لا يترسخ إلا عندما يستعيد الأفراد والمستثمرون ثقتهم في قدرة الاقتصاد على الحفاظ على هذا الاستقرار مستقبلًا.
الهدف ليس تجفيف الموارد النقدية أو تعطيل التمويل داخل الاقتصاد, وإنما تحقيق التوازن بين حجم السيولة والقدرة الفعلية على إنتاج السلع والخدمات, حتى لا تتحول زيادة الأسعار المؤقتة إلى تضخم مستمر
سحب البنك المركزي نحو 609.71 مليار جنيه من فائض السيولة لدى 16 بنكًا في 20 أكتوبر 2026 عبر عطاء ربط ودائع لمدة 7 أيام بعائد ثابت 19.5%, كما سحب قبلها نحو 293.96 مليار جنيه في 6 أكتوبر 2026
لأن السياسة النقدية لا تتحكم مباشرة في أسعار البترول العالمية أو أسعار السلع المستوردة أو الصدمات الخارجية وسلاسل الإمداد, لكنها تستطيع الحد من انتقال آثارها عبر إدارة السيولة وضبط الأوضاع النقدية


