في ظل عدم ضمان أي من بنيامين نتنياهو أو غادي آيزنكوت الحصول على أغلبية برلمانية، قد تواجه إسرائيل مفاوضات ائتلافية صعبة، أو حكومة هشة، أو مأزقًا سياسيًا جديدًا.

قد تؤدي انتخابات إسرائيل لعام 2026، المقررة في 27 أكتوبر، إلى دخول البلاد في مفاوضات قد تستمر لأسابيع أو حتى أشهر، بينما يتنافس رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومنافسه الرئيسي، القائد العسكري السابق غادي آيزنكوت، على تشكيل الحكومة القادمة.

تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن أيًا من المعسكرين السياسيين لم يحصل على عدد المقاعد الكافي للحكم بشكل مستقل، مما يفتح الباب أمام أربعة احتمالات: ائتلاف هش، أو أغلبية واضحة، أو مأزق برلماني، أو حكومة أقلية.

وفقًا لتحليل أعده آرون بوكسرمان وجوش هولدر ونشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، فإن النظام الانتخابي النسبي في إسرائيل يجعل عملية بناء الائتلافات لا تقل أهمية عن نتائج الانتخابات ذاتها.

تُعد هذه الانتخابات الأولى على المستوى الوطني منذ الهجمات التي قادتها حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، وما تلاها من حرب في قطاع غزة؛ وتأتي في ظل انقسامات سياسية عميقة حول قضايا الأمن القومي، والمؤسسات الديمقراطية، وقيادة نتنياهو.

انتخابات إسرائيل 2026: ماذا تظهر أحدث استطلاعات الرأي؟

يتطلب تشكيل حكومة أغلبية في الكنيست الإسرائيلي -الذي يضم 120 مقعدًا- الحصول على 61 مقعدًا على الأقل.

توقع استطلاع للرأي أجرته “كان نيوز” بالتعاون مع مؤسسة “كانتار” في 18 أكتوبر، حصول ائتلاف نتنياهو -المكون من أحزاب يمينية ودينية- على 51 مقعدًا، بينما توقع الاستطلاع أن تحصد أحزاب المعارضة مجتمعة 57 مقعدًا.

كما أظهر الاستطلاع ذاته حصول حزب “ياشار” بقيادة آيزنكوت على 23 مقعدًا، متقدمًا بفارق ضئيل على حزب “الليكود” بزعامة نتنياهو الذي حصل على 21 مقعدًا.

تضمنت التوقعات الأخرى حصول قائمة “معًا” على 12 مقعدًا، و”الديمقراطيين” على 9 مقاعد، وحزب “إسرائيل بيتنا” على 8 مقاعد، والقائمة العربية الموحدة (رعَم) على 5 مقاعد، و”القائمة المشتركة” على 8 مقاعد، وحزب “جنود الاحتياط” -الذي تأسس حديثًا- على 4 مقاعد.

أما الحلفاء المحتملون لنتنياهو، فقد شملت توقعاتهم حصول حزب “القوة اليهودية” على 8 مقاعد، و”الصهيونية الدينية” على 7 مقاعد، وحزب “شاس” على 8 مقاعد، وحزب “يهدوت هتوراة” على 7 مقاعد.

تسلط هذه الأرقام الضوء على التحدي الجوهري في انتخابات إسرائيل لعام 2026: فالفوز بأكبر عدد من المقاعد لا يضمن تلقائيًا السيطرة على الحكومة.

السيناريو الأول: ائتلاف معارض هش

أحد الاحتمالات الواردة هو تشكيل ائتلاف بقيادة آيزنكوت، تدعمه أحزاب يجمعها بشكل أساسي معارضتها لنتنياهو.

وقد يضم هذا التحالف سياسيين يمينيين -مثل أفيغدور ليبرمان- وقادة من الوسط، بالإضافة إلى حزب “الديمقراطيين” اليساري بقيادة يائير غولان.

غير أن وجود خلافات أيديولوجية جوهرية قد يجعل من الصعب تشكيل مثل هذه الحكومة أو الحفاظ على استمراريتها.

وقد شهدت إسرائيل وضعًا مشابهًا في أعقاب انتخابات مارس 2021.

حينها، فاز حزب “الليكود” بزعامة نتنياهو بـ 30 مقعدًا، بينما حصل حزب “يش عتيد” بقيادة يائير لابيد على 17 مقعدًا، ولم يتمكن أي من الزعيمين في البداية من تأمين أغلبية برلمانية.

بعد مفاوضات مطولة، توصل لابيد إلى اتفاق مع حزب “يمينا” بقيادة نفتالي بينيت، يقضي بتولي بينيت رئاسة الوزراء أولًا، ضمن ترتيب يقوم على مبدأ التناوب على المنصب.

كما انضم إلى الائتلاف حزب “القائمة العربية الموحدة” (رعَم) ذو التوجه الإسلامي، بقيادة منصور عباس.

انهارت تلك الحكومة في نهاية المطاف عام 2022، إثر انسحاب نواب من حزب “يمينا”، مما أدى إلى الدعوة لانتخابات جديدة.

وقد يواجه أي ائتلاف مماثل في عام 2026 توترات مشابهة.

فقد يحتاج آيزنكوت إلى دعم “القائمة العربية الموحدة” (رعَم) للوصول إلى الأغلبية، علمًا بأن التعاون مع الأحزاب العربية أصبح أكثر إثارة للجدل سياسيًا منذ أحداث السابع من أكتوبر.

بالإضافة إلى ذلك، قد يطالب قادة آخرون في المعارضة -مثل بينيت وليبرمان- بتولي منصب رئيس الوزراء كشرط لتقديم دعمهم.

وبناءً عليه، فحتى لو فازت المعارضة مجتمعة بعدد أكبر من المقاعد، يظل التوصل إلى اتفاق حول شخصية رئيس الوزراء وبرنامج الحكومة أمرًا ضروريًا.

السيناريو الثاني: فوز كتلة سياسية واحدة بأغلبية واضحة

يتمثل الاحتمال الثاني في أن تأتي نتائج الانتخابات مغايرة تمامًا لتوقعات استطلاعات الرأي، بحيث تتمكن إحدى الكتل من تأمين 61 مقعدًا على الأقل.

وقد حدث هذا بالفعل في نوفمبر 2022، حين فاز نتنياهو وحلفاؤه بـ 64 مقعدًا في البرلمان، رغم حصولهم على نحو 48% فقط من إجمالي أصوات الناخبين.

عكست النتيجة سمةً مهمةً للنظام الانتخابي في إسرائيل، وهي ضرورة حصول الأحزاب على ما لا يقل عن 3.25% من أصوات الناخبين على المستوى الوطني لدخول الكنيست.

لا تُترجم الأصوات التي تحصل عليها الأحزاب التي تفشل في تجاوز هذه العتبة إلى تمثيل برلماني.

في عام 2022، أخفق كل من حزب “ميرتس” اليساري وحزب “التجمع الوطني الديمقراطي” (بلد) في تجاوز هذه العتبة؛ مما أدى إلى ضياع تمثيل أكثر من 200 ألف صوت، وزيادة الحصة النسبية للمقاعد التي حصل عليها تكتل نتنياهو.

مكنت هذه النتيجة نتنياهو من تشكيل ائتلاف مع أحزاب من أقصى اليمين وأحزاب يهودية متشددة (حريديم)، وهو ائتلاف استمر في السلطة لمدة أربع سنوات.

وفي انتخابات عام 2026، قد تلعب العتبة الانتخابية دورًا حاسمًا مرة أخرى.

إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن حزب “عمخا يسرائيل” الجديد، المنتمي إلى أقصى اليمين، يقترب في نسبة تأييده من الحد الأدنى المطلوب، مما يجعل حصوله على تمثيل برلماني أمرًا غير مؤكد.

كما يمكن أن تؤثر نسبة مشاركة الناخبين العرب على التوزيع النهائي للمقاعد.

تاريخيًا، كانت معدلات تصويت المواطنين العرب في إسرائيل أقل من معدلات تصويت الإسرائيليين اليهود. ومن شأن زيادة المشاركة أن تغير موازين القوى بين الأحزاب المعارضة لنتنياهو، وإن كان حجم هذا التأثير سيعتمد على أنماط التصويت الفعلية.

السيناريو الثالث: الجمود السياسي وإجراء انتخابات جديدة

يتمثل احتمال ثالث في ألا ينجح نتنياهو ولا آيزنكوت في تشكيل أغلبية برلمانية تتيح تشكيل حكومة.

وقد يؤدي هذا الجمود إلى إجراء انتخابات وطنية أخرى، مما يطيل أمد حالة عدم اليقين السياسي.

وقد شهدت إسرائيل خمس جولات انتخابية بين عامي 2019 و2022، في ظل إخفاقات متكررة في تشكيل حكومات مستقرة.

وتشير استطلاعات الرأي الحالية إلى تحدٍ مماثل؛ إذ يُتوقع ألا يحصل ائتلاف نتنياهو على الأغلبية، بينما تعاني أحزاب المعارضة من انقسامات حول الشركاء المحتملين في الائتلاف الحكومي.

ورغم أن تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم سياسيين من كلا المعسكرين يظل ممكنًا من الناحية النظرية، إلا أن العديد من قادة المعارضة رفضوا بشدة العمل تحت قيادة نتنياهو.

ولا تقتصر الانقسامات السياسية على الخلافات مع رئيس الوزراء فحسب.

إذ تعارض عدة أحزاب يمينية معارضة أي تعاون مع “القائمة المشتركة” التي تمثل المواطنين العرب.

كما تعهد حزب “المعسكر الرسمي” (الذي يضم آيزنكوت) بعدم الانضمام إلى ائتلاف يضم أحزابًا من “الحريديم” (اليهود المتشددين) أو أحزابًا عربية، وهو ما قد يزيد من تعقيد المفاوضات.

ويشير التحليل الوارد في المصدر إلى أن وقوع طارئ وطني كبير، مثل تجدد المواجهة مع إيران، قد يخلق دوافع لتشكيل تحالف سياسي مؤقت.

وقد حدث سابقة من هذا النوع بعد السابع من أكتوبر، حين انضم آيزنكوت وشخصيات معارضة أخرى لفترة وجيزة إلى حكومة الحرب الطارئة التي شكلها نتنياهو.

ومع ذلك، وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق قابل للتطبيق، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام جولة انتخابية جديدة.

وفي ظل هذا السيناريو، سيستمر نتنياهو في منصبه كرئيس لوزراء حكومة تصريف أعمال، إلى حين تشكيل إدارة جديدة تخلفه.

السيناريو الرابع: تشكيل حكومة أقلية بقيادة آيزنكوت

يتمثل الاحتمال الرابع في تشكيل حكومة أقلية بقيادة آيزنكوت أو شخصية أخرى من المعارضة.

وعلى عكس الائتلاف الذي يتمتع بالأغلبية، تعتمد حكومة الأقلية على دعم برلماني من الخارج لتجاوز تصويت الثقة وتمرير التشريعات.

وقد يسعى آيزنكوت للحصول على دعم الأحزاب العربية دون إشراكها رسميًا في ائتلافه الحكومي.

ويُعد هذا الترتيب غير مألوف في السياسة الإسرائيلية، وقد يكون من الصعب الحفاظ عليه.

ويرى محللون -أشار إليهم التقرير الأصلي- أن حكومة الأقلية قد تتطلب أيضًا دعمًا، أو على الأقل امتناعًا عن التصويت، من جانب أعضاء أكثر براجماتية داخل معسكر نتنياهو اليميني.

مع ذلك، لطالما حافظ نتنياهو تاريخيًا على انضباط صارم بين حلفائه السياسيين، مما حدّ من فرص قادة المعارضة في استقطاب منشقين من معسكره.

وفي غياب دعم برلماني موثوق، قد تجد حكومة الأقلية صعوبة بالغة في تمرير الميزانيات، أو تنفيذ السياسات، أو حتى الاستمرار في السلطة.

كيف تختار إسرائيل رئيس وزرائها القادم؟

لن تحدد انتخابات عام 2026 في إسرائيل هوية رئيس الوزراء القادم بشكل مباشر من خلال تصويت وطني على مرشح واحد.

بدلًا من ذلك، يختار الناخبون أحزابًا سياسية، تحصل بموجبها هذه الأحزاب على مقاعد في الكنيست وفقًا لحصتها من الأصوات، وذلك وفقًا للقواعد الانتخابية المعمول بها.

وعقب الانتخابات، سيجري الرئيس إسحاق هرتسوغ مشاورات مع قادة الأحزاب، الذين سيقدمون توصياتهم بشأن المرشحين لتشكيل الحكومة.

بعد ذلك، سيكلف هرتسوغ السياسي الذي يرى أنه الأقدر على تشكيل ائتلاف برلماني متماسك وقابل للاستمرار.

وقد تتضمن المفاوضات اتفاقات حول التعيينات الوزارية، والأولويات السياسية، والتشريعات الدينية، والاستراتيجية الأمنية، وترتيبات القيادة.

وهذا يعني أن زعيم الحزب الأكبر قد لا يصبح بالضرورة رئيسًا للوزراء، إذا تمكن مرشح آخر من حشد دعم برلماني أوسع.

ماذا سيحدث بعد انتخابات 27 أكتوبر في إسرائيل؟

تُظهر السيناريوهات الأربعة المحتملة أن نتائج الانتخابات قد تكون مجرد بداية لجولة جديدة من الصراع السياسي في إسرائيل.

فوجود أغلبية برلمانية واضحة قد يؤدي إلى انتقال سلس للسلطة أو استمرار الوضع القائم.

أما في حال تشكيل ائتلاف هش أو حكومة أقلية، فقد تواجه البلاد خلافات داخلية مستمرة؛ في حين قد يؤدي حدوث جمود سياسي إلى إطالة أمد فترة نتنياهو كرئيس وزراء انتقالي، وربما الدعوة إلى انتخابات جديدة.

ولا تعتمد النتيجة على عدد المقاعد التي يحصل عليها كل حزب فحسب، بل تعتمد أيضًا على مدى استعداد القادة السياسيين للتعاون فيما بينهم.

وفي نهاية المطاف، ستتحدد هوية الحكومة الإسرائيلية القادمة بناءً على القدرة على تشكيل أغلبية برلمانية والحفاظ عليها؛ مما يجعل المفاوضات التي تلي الانتخابات لا تقل أهمية عن عملية التصويت ذاتها.

الأسئلة الشائعة

الموعد المقرر للانتخابات هو يوم 27 أكتوبر

يلزم الحصول على 61 مقعدًا على الأقل داخل الكنيست الذي يضم 120 مقعدًا

قد تواجه إسرائيل ائتلافًا هشًا أو حكومة أقلية أو جمودًا سياسيًا يؤدي إلى انتخابات جديدة