يمتلك الاتحاد الأوروبي فرصة نادرة للمساهمة في تشكيل النظام الناشئ وتعزيز الدور الدولي لليورو، مع تزايد حالة التجزؤ في النظام النقدي العالمي إلا أن تحول العملة الأوروبية إلى عملة عالمية بالمعنى الحقيقي يتطلب أولًا أن تصبح أكثر انتشارًا داخل أوروبا نفسها.
وأبرز تحليل أجرته منصة “بروجكت سيندكيت” الإعلامية الدولية ومقرها براغ، تراجع حصة الدولار من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة في ظل تصاعد المخاوف بشأن السياسة المالية الأمريكية، وتزايد استخدام القوة الاقتصادية الأمريكية كأداة للضغط، إلى جانب تفكك التجارة الدولية.
وأشار التحليل إلى أن هذه العوامل دفعت البنوك المركزية والمستثمرين من القطاع الخاص إلى تنويع أصولهم واحتياطياتهم، ومع ذلك فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في نشوء نظام نقدي تحكمه كتل اقتصادية متنافسة، بدلًا من ظهور عملة أخرى تهيمن على النظام العالمي.
وبحسب البنك المركزي الأوروبي، بلغت حصة اليورو من مختلف مؤشرات الاستخدام العالمي للعملات نحو 20% في عام 2025، ما عزز مكانته باعتباره ثاني أهم عملة في العالم، حيث يستخدم اليورو على نطاق واسع في التجارة الدولية والإقراض وإصدار السندات، كما يمثل عملة أساسية في تمويل المشروعات الخضراء.
ونوه التحليل بأن اليوان الصيني يبرز أيضًا باعتباره بديلًا للدولار، بالنظر إلى حجم الاقتصاد الصيني وأهميته للتجارة العالمية، لكن جاذبيته الدولية لا تزال مقيدة بضوابط حركة رؤوس الأموال، ومحدودية قابلية تحويله إلى عملات أخرى، وحالة عدم اليقين القانوني.
وفي حين يوفر الذهب قدرًا من الحماية في مواجهة المخاطر الجيوسياسية، ويمكن للأصول المشفرة أن تؤدي دورًا في بعض أسواق الاستثمار والمدفوعات، فإن أيًا منهما لا يوفر مستويات السيولة والاستقرار المطلوبة من عملة دولية رئيسية، بحسب “بروجكت سيندكيت”.
وتمنح هذه المعطيات اليورو فرصة محدودة لتعزيز مكانته، مع تأكيد صانعو السياسات الأوروبيون أن تعزيز الدور الدولي للعملة الأوروبية يتطلب استكمال اتحاد حقيقي لأسواق رأس المال، وإنشاء اتحاد مصرفي فعال، وزيادة المعروض من الأصول الآمنة المقومة باليورو وذات السيولة المرتفعة، وتمثل هذه الإصلاحات متطلبات لا غنى عنها، لكنها تركز فقط على الأسس المالية لليورو، بينما لا تقل أهمية عن ذلك مسألة توسيع نطاق انتشاره.
وأشار التحليل إلى أن اليورو لا يزال حتى الآن عملة غير مستخدمة في جميع دول الاتحاد الأوروبي، مع بقاء 6 دول أعضاء خارج منطقة اليورو، وهي التشيك والدنمارك والمجر وبولندا ورومانيا والسويد، وتُعد الدنمارك الدولة الوحيدة التي تملك حق عدم الانضمام بموجب معاهدات الاتحاد الأوروبي، بينما تلتزم الدول الخمس الأخرى من حيث المبدأ بتبني العملة الأوروبية في نهاية المطاف، وإن لم يُحدد جدول زمني ملزم لذلك.
ولسنوات، تقبلت أوروبا بقاء عدد من الدول الأعضاء خارج منطقة اليورو، لكن ما كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره وضعًا استثنائيًا يمكن التعايش معه، يتحول سريعًا إلى نقطة ضعف استراتيجية؛ فالعملة التي تطمح إلى اكتساب مكانة عالمية لا ينبغي أن تواجه صعوبة في إقناع الدول المجاورة لها باستخدامها، وإذا أعادت الدول المتبقية النظر في مواقفها، فسيراقب المستثمرون ومديرو الاحتياطيات النقدية في مناطق أخرى من العالم هذه الخطوة باهتمام.
وتوضح السويد كيف ساهم التكامل الاقتصادي والتحولات الجيوسياسية في تغيير حسابات الانضمام إلى منطقة اليورو، حيث خلصت مراجعة حديثة إلى أن مبررات الانضمام أصبحت أقوى من أي وقت مضى، مع تحرك الاقتصاد السويدي بصورة متزايدة بالتوازي مع اقتصادات منطقة اليورو، كما جعل التكامل المصرفي وحالة عدم اليقين الجيوسياسي والرغبة في زيادة التأثير على القرارات الأوروبية الانضمام أكثر جاذبية.
وفي المجر، أدى خروج رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان من السلطة إلى إنهاء سنوات من التباعد عن التوجه الأوروبي السائد، وهو ما قد يضع دولة أخرى خارج منطقة اليورو على مسار الانضمام، ومن شأن الالتزام الواضح باعتماد العملة الأوروبية أن يسهم في تثبيت التوقعات وخفض علاوة المخاطر التي تتحملها البلاد، وهي عملية بدأت بالفعل في ظل الحكومة الجديدة.
أما بولندا، التي تُعد صاحبة أسرع معدلات النمو في وسط أوروبا وتمتلك قوة عسكرية آخذة في التوسع، فقد أصبح من الصعب تبرير استمرار بقائها خارج منطقة اليورو، فإذا كانت تطمح بالفعل إلى المشاركة في تشكيل مستقبل أوروبا، عليها أن يكون لها صوت داخل المؤسسات النقدية التي تحدد كيفية تمويل الاتحاد الأوروبي لقدرته على الصمود اقتصاديًا وتعزيز دفاعاته.
وتبرز المملكة المتحدة باعتبارها حالة أكثر تعقيدًا في علاقتها بأوروبا، فبدلًا من أن يؤدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى إبعادها عن البيئة الاقتصادية والأمنية الأوروبية، كشف هذا الخروج عن تكاليف البقاء خارج المؤسسات المحورية للاتحاد، ورغم أن احتمال انضمام المملكة المتحدة إلى منطقة اليورو لا يزال بعيدًا، فإن عودة محتملة إلى قلب المنظومة الاقتصادية الأوروبية، فيما يُعرف بـ”بريكست العكسي”، قد تسهم في نهاية المطاف في تعزيز المنظومة الأوسع لليورو.
ويرى البعض أن البقاء خارج منطقة اليورو يوفر مرونة نقدية مهمة عندما تختلف الدورات الاقتصادية الوطنية عن نظيرتها في منطقة العملة الموحدة، لكن بالنسبة إلى الاقتصادات الأوروبية شديدة الترابط، فإن هذه الاستقلالية تظل نظرية إلى حد كبير.
وأوضح التحليل أنه بينما يؤدي تقلب أسعار الصرف إلى تغذية التضخم، تعتمد البنوك المركزية بدرجة كبيرة على البنك المركزي الأوروبي، بما يحد من قدرتها على رسم مسار نقدي مستقل، كما أظهرت تجربة المجر وتدهور سجلها في مكافحة التضخم خلال السنوات الأخيرة من حكم أوربان، أن السيادة النقدية قد تُستخدم بصورة غير سليمة.
والأهم أن الانضمام إلى منطقة اليورو لم يعد يقتصر على أسعار الصرف والسياسة النقدية، حيث أجبرت الحرب الروسية في أوكرانيا، ثم إضعاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للضمانات الأمنية الأمريكية، أوروبا على مواجهة تساؤل جوهري بشأن كيفية تمويل دفاعها وتعزيز قدرتها على الصمود الاقتصادي.
وفي هذا السياق، سيكون تكامل أسواق رأس المال وتوفير أصول آمنة مقومة باليورو عنصرين أساسيين لتدبير التمويلات الضخمة اللازمة للاستثمار في الدفاع والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا.
ومن المرجح أن يتطلب جانب كبير من هذه التمويلات مشاركة دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي لا تستخدم اليورو، وعلى رأسها بولندا والسويد، إلى جانب دول من خارج الاتحاد، مثل المملكة المتحدة وأوكرانيا، ويمكن للاقتراض الأوروبي المشترك وغيره من الأدوات التمويلية الموحدة أن يوفرا قاعدة أكبر من الأصول الآمنة التي يطلبها المستثمرون العالميون، مع تمويل الخدمات والمشروعات العامة الملحة التي تحتاج إليها القارة.
كما أن توسيع منطقة اليورو سيساعد على إدماج الدول المجاورة الأكثر عرضة للمخاطر ضمن المجال الاقتصادي للاتحاد الأوروبي. ويوجد حاليًا 9 دول مرشحة معترف بها لعضوية الاتحاد، من بينها أوكرانيا، وتستخدم الجبل الأسود اليورو من جانب واحد منذ أكثر من عقدين، بينما تعتمد دول مرشحة أخرى عليه بدرجة كبيرة في أنشطتها المصرفية والتجارية والتحويلات المالية.
وفي عالم تحكمه كتل اقتصادية متنافسة، ستعكس المكانة الدولية للعملات مدى الثقة في المؤسسات السياسية، وليس الحجم الاقتصادي وحده، وتكمن ميزة اليورو في الجمع بين سوق مفتوحة وقواعد يمكن التنبؤ بها واستقلالية البنك المركزي والمساءلة الديمقراطية، وينبغي لأوروبا البناء على هذه المزايا من خلال إقامة روابط نقدية أقوى مع الدول المجاورة والحليفة التي تلتزم بهذه المبادئ، بدءًا من الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والمنضوية ضمن المنطقة الاقتصادية الأوروبية.
ويمكن أن تسهم تسهيلات مبادلة العملات واتفاقيات إعادة الشراء التي يوفرها البنك المركزي الأوروبي، وفق شروط واضحة ترتبط بالتكامل الاقتصادي والمعايير المؤسسية، في توسيع نطاق انتشار اليورو، دون تحويل إتاحة السيولة الأوروبية إلى أداة جيوسياسية، بحسب “بروجكت سيندكيت”.
وفي نهاية المطاف، ستحدد الأسواق المالية الدور الدولي لليورو، ورغم أن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع إجبار البنوك المركزية أو الشركات أو المستثمرين على استخدام عملته، فإنه يستطيع توفير مزيد من الأسباب التي تجعلهم يفضلونها.
تراجع هيمنة الدولار وتزايد التجزؤ في النظام النقدي العالمي يمنحان اليورو فرصة أكبر لتوسيع دوره الدولي
يحتاج أولًا إلى أن يصبح أكثر انتشارًا داخل أوروبا نفسها، مع استكمال اتحاد أسواق رأس المال وإنشاء اتحاد مصرفي فعال وزيادة الأصول الآمنة المقومة باليورو
الدول الست هي التشيك والدنمارك والمجر وبولندا ورومانيا والسويد


