التقت «البوابة نيوز» الروائية رانيا بيومي في حوار تناول رحلتها الأدبية ومصادر إلهامها ورؤيتها لقضايا المرأة والعلاقات الأسرية والفقد والتسامح.
وتحدثت عن انعكاس خبرتها المهنية في مجال التنمية والعمل الإنساني على رواياتها وأبرز الرسائل التي تسعى إلى تقديمها من خلال أعمالها الأدبية.
س: كيف تصفين رحلتك من شغف القراءة الذي بدأ معك منذ الطفولة إلى عالم الكتابة الروائية؟ ومتى شعرت بأن الكتابة أصبحت جزءا أساسيا من حياتك؟
رانيا بيومي: في رأيي الكتابة والقراءة وجهان لعملة واحدة فالقراءة المستمرة تتحول مع الوقت إلى قراءة تعليمية نتعلم من خلالها الكتابة الجيدة والركيكة على حد سواء لازمتني عادة القراءة حتى شعرت بأن لدي مخزونا لغويا وإنسانيا بحاجة إلى مشاركته مع الآخرين، صدرت أولى أعمالي الروائية عام 2019 ومنذ ذلك الوقت وأنا أكتب بصفة مستمرة.
س: درست الاقتصاد وحصلت على درجة الماجستير فيه وتعملين في مجال التنمية وقضايا النوع الاجتماعي بالأمم المتحدة كيف انعكست خبرتك المهنية والإنسانية على مشروعك الأدبي وشخصيات رواياتك؟
رانيا بيومي: تتضمن كل رواية كتبتها لمحة من عملي في مجال التنمية والعمل الإنساني والاجتماعي نحن نتشكل بحسب الظروف التي نحيا فيها وقد تأثرت كثيرا بالعمل الذي يهدف إلى تغيير المعتقدات ومساعدة الآخرين على تحسين حياتهم.
وفي رواية «للسعادة وجه آخر» كتبت عن المصاعب التي يتعرض لها العاملون في مجال الشؤون الإنسانية واستندت في التجربة التي قدمتها إلى مشاهدات ومواقف حدثت معي أو مع زملائي ثم أعدت صياغتها في صورة روائية.
س: تتناولين في أعمالك قضايا المرأة والعلاقات الأسرية والفقد والاغتراب والبحث عن الذات ما الذي يجذبك تحديدا إلى هذه العوالم الإنسانية والنفسية؟
رانيا بيومي: المرأة هي عصب الحياة وشريانها المتدفق فإذا كانت المرأة مرتاحة ومطمئنة فسوف تنشئ جيلا سويا والعكس صحيح لذلك فإن الاهتمام بقضايا المرأة ليس رفاهية وتحقيق المرأة لذاتها ليس ترفا.
فالمرأة السوية تعني مجتمعا راقيا وواعيا ومختلفا ولهذا أهتم كثيرا بكل ما يخص المرأة من قضايا وعلاقات وعلى الأخص علاقتها بذاتها فالمرأة المتصالحة مع ذاتها هي امرأة متصالحة مع الحياة ولكي تصل إلى تلك المرحلة لا بد أن تكون قد مرت بمراحل كثيرة وصعبة.
وأعتقد أن دوري ككاتبة هو أن أنقل إليها خبرات من سبقوها حتى تتمكن من الوصول إلى مرحلة التصالح مع الحياة بسلام.
س: في روايتك «جميلة هي الحياة» كان هناك احتفاء بقدرة الإنسان على رؤية الجمال رغم قسوة الاختبارات كيف تنظرين اليوم إلى هذه الفكرة بعد سنوات من تجربتك الأدبية والإنسانية؟
رانيا بيومي: الجمال موجود بداخل كل منا وحتى في أحلك الظروف ينزل الله لنا جمالا في صورة لطف وتيسير وفي رأيي أن ارتفاع الوعي يجعل الإنسان يركز على الجمال بداخله وحوله وكلما زاد الإيمان استطاع أن يستشعر جمال الله في خلقه ومخلوقاته.
وبعد هذه الرحلة الطويلة ما زال هذا رأيي بأن بعد كل ظلام يأتي النور والأمل مهما قست علينا الحياة فقد يكون الموقف واحدا لكنك تراه من جهة وأنا أراه من جهة أخرى أنت تركز على النقصان وأنا أركز على الجمال ولذلك تختلف حياة كل منا بحسب رؤيته للأمور.
ومن العادات الصغيرة التي تساعد الإنسان على استشعار الجمال الامتنان المستمر للنعم صغيرها قبل كبيرها.
س: رواية «للسعادة وجه آخر» تطرح رحلة «أمل» في مواجهة أسرة تفضل الذكور وصراعات وأفكار متطرفة كيف تشكلت شخصية «أمل»؟ وهل ترين أن رحلة البحث عن الذات قد تكون أحيانا أكثر صعوبة من مواجهة العالم الخارجي؟
رانيا بيومي: ما زلنا نواجه في مجتمعاتنا العربية التمييز بين الذكور والإناث ونحتاج إلى إثراء الوعي المجتمعي لتقبل أن حقوق الأنثى مثل حقوق الذكر وأن الفتاة بإمكانها أن تنبغ وتتفوق بل وتحتل أعلى المراكز نحن بحاجة إلى التوعية والعمل المجتمعي لترسيخ هذه الأفكار حتى اليوم.
فالفتاة في مجتمعاتنا الشرقية تواجه ضغوطا وأفكارا رجعية تجعلها تخوض حروبا يومية لمجرد الحصول على حقها الطبيعي مثل الرجل.
أما أمل في الرواية فقد واجهت ضغوطا كثيرة لكنها استمرت في رحلتها وأكملت العمل في المجال الإنساني على الرغم من التحديات والقصة مستوحاة من تجربة صديقة لي قررت بالفعل العمل في بلدة بإفريقيا رغم الصعوبات التي تعرضت لها في بداية سفرها لكنها أكملت الطريق ووصلت اليوم إلى منصب كبير.
س: من خلال أعمالك تبدو الأسرة حاضرة بقوة لكنها ليست دائما مصدر الأمان بل قد تكون مصدرا للجراح والصراعات كيف تنظرين إلى تأثير الأسرة في تشكيل شخصية الإنسان ومصيره؟
رانيا بيومي: الأسرة هي الأساس الذي يخرج إلى المجتمع شبابا قادرين على إحداث التغيير فإذا كانت الأسرة متماسكة ومترابطة وداعمة فإنها تخرج شبابا واعيا وسوي النفسية والعكس صحيح.
ولعل كثيرا من الأحداث المتطرفة التي نسمع عنها يكون سببها الحقيقي علاقات مفككة وأسر مضطربة فالعلاقات السوية بين أفراد البيت الواحد يمتد أثرها إلى الخارج لتصبح العلاقات أكثر سلاما وسواء بين أفراد المجتمع.
لذلك أهتم كثيرا بالكتابة عن الأسرة وإبراز مواطن القوة والضعف التي تشكل العلاقة بين أفرادها.
س: في رواية «ريتريت» تنتقل شخصياتك من الظلم والشك إلى التسامح واليقين. هل تؤمنين بأن الإنسان قادر فعلا على التسامح مع من تسببوا في ألمه أم أن بعض الجروح تظل مفتوحة مهما مر الزمن؟
رانيا بيومي: التسامح لا يفيد الشخص المؤذي بقدر ما يفيد الشخص الذي يتسامح وأرى أن التسامح ليس مجرد اختيار فمن أجل أن تستمر في هذه الحياة لا بد أن تكون مرنا وقادرا على التكيف سريعا مع الظروف المختلفة.
والمرونة والتكيف لا يأتيان إلا بالتسامح ولا أقصد هنا أن تغفر للشخص المؤذي أو تنسى الإساءة بل أقصد أن تتسامح مع الأذى بداخلك حتى تستطيع مواصلة حياتك بشكل سوي وطيب.
أؤمن بأن التسامح من أسمى الصفات التي يمكن أن يتصف بها الإنسان وأن القدرة على العفو والصفح تفيد صاحبها بالأساس ولا علاقة لها بالشخص الذي آذاه لأن عقاب من أساء يكون عند الله الذي لا يغفل ولا ينام.
س: روايتك «فراغ لن يملأه أحد» تطرح قضايا الفقد والفراغ العاطفي والحدود بين الحب والسيطرة والرعاية والوصاية لماذا اخترت هذه المنطقة الدقيقة والمعقدة من العلاقات الإنسانية؟
رانيا بيومي: تجذبني الحكايات المرتبطة بالأوضاع المجتمعية التي تكون فيها الحالات الإنسانية على خط رفيع يفصل بين الرعاية والحب والاهتمام.
وفي رواية «فراغ لن يملأه أحد» تقع البطلة في تلك المعادلة المحيرة بين واجبها الإنساني وشعورها كامرأة بحاجة إلى الاهتمام والتقدير. كما أن بطل الرواية نفسه يعاني من ألم نفسي شديد نتيجة حادث.
قالت إن أولى أعمالها الروائية صدرت عام 2019، ومنذ ذلك الوقت وهي تكتب بصفة مستمرة
أوضحت أن كل رواية كتبتها تتضمن لمحة من عملها في مجال التنمية والعمل الإنساني والاجتماعي، وأن بعض الأعمال استندت إلى مشاهدات ومواقف عايشتها مع زملائها
ترى أن الاهتمام بقضايا المرأة ليس رفاهية، وأن تحقيق المرأة لذاتها ليس ترفا، كما تؤكد أن الفتاة العربية تواجه ضغوطا تجعلها تخوض حروبا يومية للحصول على حقها الطبيعي


