د. محمد حسين أبوالعلا
(كم هو قاسٍ أن يكون المخلوق إنسانًا) … هذه هي العبارة التي طوقت عقلى وأرجفت قلبي وداعبت روحي منذ صباي، وبت أسيرًا لمغزاها حتى رفعت الحجب مشيرة إلى مركب مستحيل، مركب جنوني .. مركب عبثي هو طائف من الشيطان.
معبد خطر لا تستطيع ملامسة جدرانه، فكل جانب فيه يقذفك نحو الآخر وكل آخر يردك للحظة البدء؛ لتوقن أنت وغيرك أنك في ركب التائهين، مركب موحش فيه المقدس الذي كان.
العواطف الجياشة والبرود القاتل، المشاعر الفياضة والجفوة المتوحشة، الآمال العراض واليأس المطبق، النفس المتوثبة والأخرى المنسحقة، العقل الطامح والمستكين، الروح التواقة والثائرة، الإرادة الجبارة والاستسلام إلى غير أمد، بين الطموح والخنوع، بين مرارة الصدق وزخرف الكذب، بين الأطياف السحرية للحب والائتناس بقبضة الكراهية.
إنها رحلة الهواجس والحقائق أو هي ذلك المعبد المظلم الذي يتقوقع فيه الإنسان منذ كان.
فبين نشوة الأمل وأشباح اليأس ودبيب الألم وأفراح الحياة والمطروح على العقل واللا مفكر فيه، وبين فضائح الذاكرة وحدة المنطق وبين العفوية والصرامة، والبصيرة والغفلة والشغف والفتور، وبين الحتمية والحرية.
تلك بعض من سياقات المأزق الإنساني المثير الذي يتقاذف البشر يعلو بهم ويهبط لكن دائمًا ما يقرر لهم نهاية واحدة.
وتلك لمحة صغرى من وحي ما كان بين شاب قد أحكمته التجارب المريرة، وبين فاتنة الروح والحسن.. تعارفا مصادفة رغم كونهما أقرباء لكن جرائم الكبار حالت دون التواصل، بل فرضت القطيعة الأبدية لكن من ذا الذي يتصدى لسهام القدر التي تلاقي الأضداد وتفرق الأشباه، وتسبح بالأحداث إلى أصولها الكونية وتجعل مصائر الأشخاص في قبضة الحكمة الأبدية المطلقة.
جمعهما لقاء عاصف غير متوقع استكشفت أنها أمام طاقة من الكراهية للعالم والأشخاص والأشياء، قابلتها بحديث هامس عن الجمال والخير والحب باعتباره الميثاق الأسمى للبشر، معتقدة بهذا إمكانية تحوله وتغييره.. فمن ذا الذي يكره الحديث عن المثل والقيم الرفيعة التي تمثل أمضى سلاح للتحول والتغير.
استلهمت في وجه العداء والبغضاء، وذلك الشر المتطاير من عينيه ولسانه.
لكنه انتفض قائلا: إن كل هذه المعاني لا تلامس الواقع مطلقًا، فكيف تسمحين لذاتك أن تتفوه بأوهام.
عندئذ استقرت ذاتها على خوض معركة اختراق تلك الآفاق المعتمة في عقله ونفسه وروحه.
لتستقيم الحوارية بينهما بعد أن أفزعها بأبشع كلمات الكره والبغض لها ولعائلتها معتبرًا ذلك هو أهون الأشياء لرد تلك المظلمة القديمة والحق المسلوب منذ عقود، الذي أهدرت به أبسط ضرورات الحياة لأي إنسان يعيش فوق الأرض، جعلته يعايش قهرًا ماديًا ومعنويًا مروعًا.
بدأت تتعاطف مع مشاعره وإحساساته وعمق آلامه فظلت أكثر اصرارًا على الارتقاء بروحه وحسه والترفع عن كل الكبائر قبل الصغائر.
طلبها للزواج ليس حبًا أو إعجابًا أو فتونًا، ولكن إشباعًا لنوازع الانتقام التي دفعته ليطلقها في ذات اليوم ليطبع عليها بصمات الكراهية للحياة والبشر.
وبعد أمد طويل أخذ يتأمل ذاته ويستقصي دواخلها ودوافعها مستنكرًا فداحة العمل الغاشم، وكيف قادته الأهواء وأطياف الشر لأن يكون ذلك الشخص الملفوظ إنسانيًا وأخلاقيًا، وقد امتدت هذه المراجعات إلى أن أيقن ضرورة محو تلك البؤرة السوداوية القاتلة ليعود إنسانًا متوازنًا مدركًا أن الحياة ليست فقط مظالم وأحقادًا وكراهية وغدرًا، بل إن جوهرها يسمو على ذلك بالحب والألفة والصفاء الذاتي.
فإعلاء سلطة العقل على جموح النفس بكل ما يسكنها من تناقضات صارخة، اقتحمت رأسه أفكار وذكريات أليمة استوقفته طويلاً، لكنها استقرت به نحو حتمية التوجه إليها راجيًا وآملاً في إقامة جسور حوار جديد يطوي صفحة الماضي الجريح، ويسعى بذاته لاجتذاب الألفة، وقد كان بينهما حوارٌ إعجازيٌ هو حصاد تجربة مريرة، وبالطبع تعلما منه أقسى دروس الحياة حين تمنطق ما لا يعقل!!
يرصد النص صراع الإنسان بين الحب والكراهية وما تتركه التجارب المريرة من أثر في النفس قبل الوصول إلى مراجعة الذات.
تعارفا مصادفة رغم أنهما أقرباء وكانت بينهما قطيعة فرضتها جرائم الكبار ثم جمعهما لقاء عاصف غير متوقع.
انتهى الأمر إلى مراجعة الذات ومحاولة محو البؤرة السوداوية والعودة إلى التوازن عبر جسور حوار جديد وطَي صفحة الماضي الجريح.


