كم مرة استمعنا إلى مسؤول أو شخصية عامة يتحدث بحماس عن ضرورة دعم الشباب، وفتح الأبواب أمام الموهوبين، ومنح الفرص لأصحاب الكفاءات، والاستماع إلى كل صاحب فكرة يمكن أن تضيف شيئًا للمجتمع؟
وكم مرة أعجبتنا هذه الكلمات، وتمنينا أن تتحول من عبارات تُقال أمام الكاميرات إلى واقع يشعر به كل إنسان يبحث عن فرصة حقيقية؟
المشكلة ليست في الكلام الجميل، فنحن في حاجة إليه، وفي حاجة إلى كل مبادرة تفتح باب الأمل أمام الشباب وأصحاب المواهب، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح المسافة بين ما نقوله وما نفعله أكبر من أن يتجاهلها أحد.
هناك أشخاص يمتلكون الخبرة، ويحملون أفكارًا تستحق النقاش، ولديهم الاستعداد للعمل والاجتهاد، وربما قضوا سنوات طويلة في تطوير أنفسهم وانتظار فرصة واحدة تثبت قدراتهم.ومع ذلك، يظلون عاجزين عن الوصول إلى من يملكون قرار منح الفرص، رغم محاولاتهم المتكررة وطرقهم أبوابًا كثيرة.
ترسل رسالة فلا يأتيك رد، وتحاول التواصل فلا تجد وسيلة، وتبحث عن فرصة لعرض فكرتك، فتكتشف أن الوصول إلى صاحب القرار أصعب أحيانًا من تنفيذ الفكرة نفسها، وهنا يطرح نفسه سؤال مهم: إذا كنا نتحدث بجدية عن اكتشاف المواهب ودعم الكفاءات، فلماذا لا تكون هناك آليات واضحة تتيح لأصحاب الأفكار والخبرات عرض ما لديهم، بدلًا من أن تظل الفرص حكرًا على دائرة محدودة من المعارف والعلاقات؟
ودائماً يوجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، في أغلب المناسبات، بضرورة الاهتمام بالشباب، واكتشاف أصحاب المواهب والكفاءات، وإتاحة الفرصة أمامهم للمشاركة في العمل العام، والاستفادة من أفكارهم وقدراتهم، مؤكدًا أهمية تمكين الكوادر الشابة وإعداد جيل قادر على تحمل المسؤولية.
الأكثر إيلامًا أن بعض المشاهد تتغير بصورة لافتة عندما يصبح الشخص نفسه حديث مواقع التواصل الاجتماعي، ويتحول اسمه إلى تريند، وتتناقل الصفحات أخباره، وتلتفت إليه الكاميرات.
فجأة يصبح الوصول إليه سهلًا، وتُفتح أمامه الأبواب التي كانت مغلقة، وتأتي الاتصالات، ويحرص البعض على إعلان دعمهم له، وربما يتسابقون للحديث عن موهبته وقدراته.
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه: هل تغيرت موهبته في ليلة واحدة؟ وهل اكتسب خبرة جديدة لم تكن لديه بالأمس؟ أم أن الذي تغير فقط هو حجم الاهتمام به وعدد المتابعين الذين يتحدثون عنه؟
إن كان الشخص يستحق الفرصة بعد أن أصبح تريند، فقد يكون مستحقًا لها قبل ذلك بسنوات، حين كان يعمل في صمت، ويطور من نفسه، ويحاول أن يجد من يستمع إليه. الموهبة لا تولد يوم أن يتحدث عنها الناس، والكفاءة لا تبدأ يوم أن تصبح صاحبها حديث مواقع التواصل.
نحن هنا لا نتحدث عن شخص بعينه، ولا ننكر أن الانتشار قد يكشف مواهب حقيقية تستحق الدعم، لكننا نتساءل عن معيار منح الفرص: هل هو الكفاءة والاستعداد للعمل، أم الشهرة والقدرة على جذب الانتباه؟ فالتريند قد يسلط الضوء على موهبة، لكنه لا يصنع بالضرورة موهوبًا، وعدد المتابعين ليس شهادة خبرة، والتفاعل الكبير لا يعني دائمًا أن صاحبه هو الأجدر بالفرصة.
وفي المقابل، هناك أشخاص لا يجيدون تسويق أنفسهم، ولا يملكون شبكة علاقات واسعة، ولا يستطيعون تحويل كل مشكلة يواجهونها إلى منشور يستدر التعاطف، لكنهم يمتلكون من الخبرة والالتزام والأفكار ما يجعلهم جديرين بأن يحصلوا على فرصة عادلة.
هؤلاء لا ينبغي أن يضطروا إلى افتعال ضجة حول أنفسهم حتى يراهم أحد، ولا أن يتحول الانتظار الطويل إلى اختبار لقدرتهم على الصمود أمام التجاهل.
المجتمعات التي تريد التقدم تحتاج إلى اكتشاف الكفاءات قبل أن تفرضها مواقع التواصل الاجتماعي، وتحتاج إلى مؤسسات لديها أبواب واضحة لاستقبال الأفكار والمقترحات، ومعايير معلنة لتقييم المتقدمين، ومسؤولين يدركون أن الاستماع إلى الناس ليس مجاملة، وإنما جزء من مسؤولياتهم.
ومن حق كل مسؤول أو شخصية عامة أن تكون لديه التزامات وحدود لوقته، وليس مطلوبًا منه أن يستجيب لكل رسالة بنفسه، لكن المطلوب أن تكون هناك قنوات حقيقية وفعالة للتواصل، وألا يتحول الوصول إلى أصحاب القرار إلى امتياز لا يحصل عليه إلا المحظوظون أو المشاهير.
والأمر لا يتعلق بالوظائف وحدها، بل يمتد إلى الإعلام والثقافة والرياضة والعمل العام، وكل مجال يمكن أن يجد فيه الإنسان فرصة ليقدم ما لديه.
كم من فكرة جيدة ماتت لأنها لم تجد من يسمعها؟ وكم من موهبة ربما كانت ستضيف الكثير لو وجدت بابًا مفتوحًا في الوقت المناسب؟
إن أخطر ما يمكن أن يشعر به صاحب الكفاءة ليس أنه رُفض بعد تقييم عادل، وإنما أن يظل خارج دائرة الاهتمام دون أن يحصل أصلًا على فرصة لعرض نفسه أو شرح فكرته.
فالرفض الواضح قد يدفع الإنسان إلى تطوير نفسه والمحاولة من جديد، أما التجاهل المستمر فيجعله يتساءل: هل المشكلة في قدراتي، أم في أنني لا أملك الطريق الذي يوصلني إلى من يقرر؟ وهنا تأتي مسؤولية كل من يتحدث عن تمكين الشباب ودعم المبدعين: أن يجعل هذه المبادئ ممارسة يومية، لا مجرد عبارات جميلة تُقال في المؤتمرات واللقاءات.
لا تنتظروا من الموهوب أن يصبح تريند حتى تكتشفوه، ولا من صاحب الفكرة أن يثير الجدل حتى تمنحوه فرصة لعرضها. افتحوا الأبواب أمام أصحاب الخبرات، واستمعوا إلى الأفكار قبل أن تتحول إلى حديث الناس، واجعلوا معيار الاختيار هو ما يستطيع الإنسان أن يقدمه، لا مدى شهرته أو قدرته على جذب الأضواء.
ولنتذكر دائمًا أن وراء كل اسم لا نعرفه إنسانًا قد يحمل حلمًا كبيرًا، وأن وراء كل رسالة لم تجد ردًا ربما تكون فكرة تستحق أن ترى النور.
وقد تكون فرصة واحدة صادقة سببًا في تغيير حياة إنسان، وقد يكون تجاهل هذه الفرصة سببًا في ضياع موهبة كان يمكن أن تفيد مجتمعًا بأكمله.


