كنت أتساءل ويالا كثرة الأسئلة التي تعتصر روحي قبل عقلي!..أتعرفون عمال الطرق.. هؤلاء الذين يسيرون يضعون “أقماع” بطول منطقة الإصلاح، أصبحت مثلهم أضع علامات استفهام على امتداد السطر.. ربما وجدت إجابات مقنعة لهذه الحياة.
لماذا يترك البعض كل شيء ليحشد حواسه في إفساد فرحة الآخرين أو وأد انتشائهم؟.
ربما لأن “الفرح الحقيقي” فاضح.. كمرآة تكشف عُري العتاة وصغار النفوس.. فالجبان الذي لا يستطيع صناعة الحياة، ولا يملك شجاعة الوقوف في النور، يرى في انتشاء غيره إدانة صارخة لوجوده الميت.
لا أعرف ما الذي ذكرني بـ«النمرود»، ثمة معانٍ كثيرة في هذه القصة، لعل أغربها نهايته، كُل العتاة يسيرون إلى تلك النهاية دون أي محاولة لتفاديها.. وكأنهم يشعلون الحرائق ويزيدون في وهجها، ليلقوا بأنفسهم فيها..!.
عندما أفتح نافذتي في الصباح
فأرى قتيلا وأرى وردة
أليس من المخجل أن أتجاهل القتيل وأكتب عن الوردة؟.
أنا كـ«نيرودا» أعشق «ماتيلدا»، ولا أنكر عليك عشقها.. ولا أنكر على أي عاشقٍ عشقه.. لوطن.. لحبيبة.. لشجرة.. لفكرة.. لي ولك ولنيرودا مُطلق الحرية، لكني يا صاحبي ليس لدي آراء أخرى.. أو أقوال أخرى.. وخدعك من علمك أنه يمكنك أن تعيش أطول لو اتبعت مبدأ الكوميديان الأمريكي «جروشو ماركس»: «هذه آرائي، وإذا لم تعجبكم… فعندي غيرها!!. دع ذلك لصاحب حكاية أخرى، فتلك حكايات مزيفة، أما نحن فأصحاب الحكاية الحقيقية، ولا يجوز أن نصف “أتراح وجراح» بعضًا منا بـ«المسرحية».
لا أحبكِ كما لو أنك وردة من ملح
أو حجر ياقوت، او سهم من قرنفلات تشيع النار
أحبكِ مثلما تحب بعض الأمور الغامضة،
سرا، بين الظل والروح.
هيا يا صاح.. لقد أجرينا التجربة، وأظن أن الإجابة لم تنتظر انتهاء الحرب ولا انتهاء العمر، لأن السؤال مطروح أبدًا في وجه كل من يختار العتمة.
ولكي أثبت لك أننا نتناقش ولا نتعارك، دعني أحكي لك تلك “النكتة”:
«كنت أنا وأنت، أو أي اثنين غيرنا.. كنا أو كانا في الصحراء فظهر لهما عفريت، وقال لكل منكما طلب واحد، فطلب أحدهما من العفريت أن ينقله بسرعة لرؤية أبيه الذي يحتضر، وبينما كان في الجو قاطعا الطريق، كانت أمنية الآخر من العفريت أن يُعيد إليه صديقه لأنه لا يمكن أن يظل في الصحراء بدونه.
يقول هذا العفريت في مذكراته، أنه رأى عجب العجاب من البشر، فذات مرة ظهر حيوان مفترس أمام شخصين، فألقى عليه الأول حجارة ثم جرى، لكن الثاني وقف مكانه وهم أن يفترسه.. دهشة “العفريت” من تصرفه جعلته يُنجيه ليسأله: لماذا لم تعدو لتنجو، فأجابه: “وأنا مالي هو أنا اللي ضربته بالحجر”.. جذبه العفريت من أذنه وقال له: “لولا أننا كعفاريت بحاجة للأغبياء لتركتك لترى بنفسك الإجابة”.
يا جروشو، لماذا أقبل نصيحتك؟ أنا أستطيع أن أرتكب أخطائي بنفسي وبشكل مثالي تمامًا، وإن كنت حتى تراها مسرحية، فصفق لهؤلاء الأبطال الذين قدموا عرضًا للنار في عقر دار الزبانية».
غريب أنت يا صاح.. إن كنت لا تشرب الخمر، فلماذا لا تترك العنب على أشجاره؟!».
لو أننا نترك كل ما لا يخصنا لما بقيت في الأرض قصيدة، ولا دافع إنسان عن فكرة أو حكاية لا تطعم خبزًا؛ فالعنب ليس للمخمورين وحدهم، بل للناظرين، وللعصافير، ولالتقاط بضع حبات سكر تتدلى ببهجة فوق قضبان الخضرة، وللعشاق الذين يتخذون من ظلاله مجازًا.
الحياة أوسع بكثير من حسابات الاستهلاك والمنفعة، ومن لا يدرك أن بعض الأشياء تشرق لكونها جميلة وحسب، إنما يختار أن يعيش في صحراء قاحلة ولو كان يملك بين يديه ألف بستان.
بمعيار “الجيب” أنا مفلس.. وبمعيار القلب أنا ملك.. هل فهمتني الآن.. ربما لا.. وربما أنا وهذه قمة المتعة.. إبقاء السؤال حيا.. وإلا لانتهت الرحلة.
يناقش المقال معنى الفرح الحقيقي ولماذا قد يسعى البعض إلى إفساد فرحة الآخرين أو تجاهل القضايا الأهم لصالح التفاصيل الجمالية.
يستخدم الكاتب الصورة للمقارنة بين ما يستحق الانتباه وما قد يبدو جميلًا فقط، ليؤكد أن تجاهل القتيل والانشغال بالوردة وحدها أمر مخجل في نظره.
يرى الكاتب أن الحياة أوسع من حسابات المنفعة والاستهلاك، وأن بعض الأشياء تظل مهمة لأنها جميلة ومُلهمة حتى لو لم تكن ذات فائدة مادية مباشرة.


