منذ أيام، كنتُ أُفند مقالات لعدد من الكتاب من بينهم الأستاذ محمد حسنين هيكل. ومع أنني لست من دراويشه، إلا أنني أقدر مشواره بكل ما فيه، ولا أعصمه ولا غيره من الخطأ؛ فحتى الأساتذة يخطؤون.. أُدرك تمامًا أنه كان على قدرٍ كبير من الذكاء، جعله يستثمر الصدفة التي لعبت دورا في رسم خط حياته المهنية.
تلك الصدفة ذاتها هي التي جعلت أصابعي تُخطئ، فتكتب “الكاف”.. “جيم”! وكأنها أرادت أن تأخذني إلى حيث يكون السير مفيدا؛ بعيدا عن إنهاك العقول في جدل عقيم لن يغير من النتائج شيئا.
شكرت تلك الصدفة، وباركت هذا الخطأ المطبعي البسيط، الذي قذف بي من عوالم “هيكل” إلى رحاب “هيجل”، وتحديدا إلى كتابه المرجعي “فنومنولوجيا الروح”.
فإلى “هيجل”.. وما أدراكم ما هيجل!.
قد لا تصدقون أن فلسفة هيجل العظيمة بدأت من قراءة الصحف! نعم، ليست صحف اليوم بالتأكيد؛ فلا تشابه بينهما سوى في الاسم، بل أقصد الصحيفة يوم كانت منبرًا ثقافيًا حقيقيًا. يقول عنها هيجل:
“إن قراءة الصحف لهي بمثابة صلاة الصباح بالنسبة إلى إنسان العصر الحديث؛ لأنها تنخرط به في سلك الحياة اليومية العادية، وتنفذ به إلى صميم التاريخ الحي الواقعي”.
لكن دعونا من حديث هيجل عن الصحف، حتى لا يغضب منا مَن باتوا يعبئونها بكلماتٍ غير مفهومة، أو أولئك الذين حولوها إلى مجرد مادةٍ إعلانية و”قراطيس”! ولعل هيجل نفسه كان يخشى سقوطها في هذا المنحدر؛ فقد عُرِف عنه تخوفه الشديد من الكلمة المطبوعة، وكان ينصح المفكر دائمًا بأن يتردد طويلًا قبل أن يدفع ببحثه إلى المطبعة، وعلته في ذلك أن الكاتب يجد نفسه مضطرًا لتنقيح أفكاره وتعديلها كلما اكتسب معرفة جديدة.
وأعود بكم إلى حلبة الاختلاف حول “هيجل”.. فيلسوف الفلاسفة.
ربما فطن البعض إلى أن الاختلاف أمرٌ مشروع، فنقلوا لنا صوره هنا ولو عبر الرسوم؛ فنبدأ من قوم هيجل الذين قالوا عنه إنه “الفلسفة بلحمها ودمها”، بينما جزم آخرون بأنه “القاتل الحقيقي للفلسفة”!.
ومع ذلك دخلت مملكة “هيجل”، محاولًا فك شفرات كتابه؛ “فنومنولوجيا الروح”.. الأمر ليس بالهيّن.. في ربط الحياة بالموت.
يقول هيجل:
“الطفل يجد في أبويه ذلك “الآخر” الذي لا بد له من إلغائه حتى يحيا، بحيث إن نمو الطفل نفسه ليكاد يكون بمثابة موت للأبوين. فما يمنحه الوالدان للطفل إنما يفقدانه بالضرورة وكأنهما يموتان في شخصه. ومعنى هذا أن انبثاق الفردية أو ظهورها وجهًا لوجه أمام الكل، لا بد أن يفضي إلى سلبها الخاص وعودتها بالتالي إلى الوحدة. وإذا كان نمو الطفل إنما يعني موت الأبوين، فذلك لأن ظهور فرديات جديدة لا بد أن يقترن بعودة الفرديات القديمة إلى الوحدة الأصلية».
وما يقصده هيجل بهذه المفارقة المؤلمة والجميلة في آنٍ واحد، ليس سوى قانون “الصيرورة” الأبدي؛ فلكي يولد كائنٌ مستقل بوعي تام وإرادة حرة، لا بد للقديم أن يتنازل عن عرشه طوعًا أو قسرًا.. فالتفرد البشري لا يكتمل إلا عبر هذا الانسلاخ الضروري، وكأن الحياة تأبى أن تمنحنا النضج إلا على أنقاض الاعتماد الطفولي، لتعود الأجيال فتذوب في دورة التاريخ الكبرى، محققةً تلك الوحدة المطلقة التي تجمع البدايات والنهايات في نقطة واحدة.
وحين نتأمل هذه الثنائية العميقة بين البقاء والفناء الرمزي، ندرك أن فلسفة هيجل لم تكن مجرد تنظيرات تجريدية في أبراج عاجية، بل هي قراءة مجهرية لحركة الوجود الإنساني نفسه. فكل صعود لفرد أو لفكرة يقتضي بالضرورة تراجعًا لغيره، وكل انبثاق لوعي جديد يحمل في طياته شجاعة تجاوز القديم وإعادة صياغته.
وكأن الفيلسوف يهمس لنا من خلف النصوص المعقدة بأن الخلاص الحقيقي لا يتحقق بالتشبث بالقوالب البالية، بل بالانخراط في تيار الصيرورة الكبرى؛ حيث الموت والولادة وجهان لعملة واحدة، وحيث التفرد الإنساني هو الثمن الباهظ الذي تدفعه الروح لكي تكتمل وتصل إلى حقيقتها المطلقة.
ولعل في هذا كله عزاء لكل من يبحث عن الحقيقة وسط ركام الصخب؛ فأن تختار أن تعيش مع الفكرة خير لك ألف مرة من أن تستهلكك زئبق العبارات الزائفة.. ويبقى ما قاله الحكيم نافذة نطل منها على ما وراء الظاهر: «العقل يجمع الناس، والفهم يفرقهم».


