في السادس من نوفمبر عام 1956، سجلت مصر واحدة من أبرز المحطات في تاريخها الحديث، بعدما أجبرت مقاومة الشعب المصري وصموده السياسي والعسكري، إلى جانب التحركات الدولية، بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على وقف عدوانها الثلاثي الذي استهدف الأراضي المصرية، عقب قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس في 26 يوليو من العام نفسه.

لم يكن ذلك اليوم مجرد نهاية لمواجهة عسكرية، بل كان نقطة تحول في تاريخ مصر والمنطقة العربية، ورسالة سياسية حملت دلالات تتجاوز حدود المعركة، عنوانها أن إرادة الشعوب وقدرتها على الدفاع عن استقلالها وسيادتها يمكن أن تغير موازين الأحداث.

تأميم قناة السويس.. الشرارة التي سبقت العدوان

بدأت الأزمة عندما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر، في 26 يوليو 1956، قرار تأميم شركة قناة السويس، خلال خطابه الشهير في ميدان المنشية بالإسكندرية، لتصبح القناة تحت الإدارة المصرية، بعد عقود من السيطرة الأجنبية على الشركة المشغلة لها. وجاء القرار في سياق سعي مصر إلى تأكيد استقلالها الاقتصادي والسياسي، وتوفير موارد تمويل مشروع السد العالي، بعدما سحبت الولايات المتحدة وبريطانيا والبنك الدولي عروض تمويل المشروع.

تداعيات التأميم

أثار القرار ردود فعل واسعة لدى بريطانيا وفرنسا، اللتين ارتبطت مصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية بالقناة، كما عارضته إسرائيل في ظل التوترات المتصاعدة على الحدود المصرية. وتصاعدت الأزمة وصولا إلى التآمر بين الدول الثلاث، الذي انتهى بالهجوم الإسرائيلي على سيناء في 29 أكتوبر 1956، ثم التدخل العسكري البريطاني والفرنسي في مطلع نوفمبر، تحت ذريعة الفصل بين القوات وحماية الملاحة في قناة السويس.

الذريعة

لكن خلف هذه الذريعة كانت هناك أهداف سياسية واستراتيجية تتعلق بإضعاف النظام المصري واستعادة النفوذ الأجنبي في منطقة القناة. وهكذا تحولت أزمة التأميم إلى مواجهة دولية واسعة، وضعت مصر أمام اختبار صعب يتعلق بسيادتها وحقها في إدارة مواردها الوطنية.

العدوان الثلاثي.. مواجهة عسكرية ومقاومة شعبية

في 29 أكتوبر 1956، بدأت القوات الإسرائيلية هجومها على سيناء، وتقدمت باتجاه قناة السويس، ثم وجهت بريطانيا وفرنسا إنذارا إلى مصر وإسرائيل، أعقبه تدخل عسكري وقصف جوي وبحري استهدف مواقع عسكرية ومنشآت مصرية، ونزلت قوات مظلية بريطانية وفرنسية في بورسعيد وبورفؤاد يوم 5 نوفمبر.

كانت مدينة بورسعيد في قلب المواجهة، حيث تصدى أبناؤها للقوات المعتدية، وشارك الأهالي في أعمال المقاومة الشعبية، إلى جانب القوات المسلحة والشرطة، في مشهد عكس اتساع المواجهة من نطاقها العسكري إلى المجتمع بأكمله.

ولم تكن المقاومة مقتصرة على حمل السلاح، بل شملت دعم المقاتلين، وتأمين السكان، ومساندة الجرحى، والحفاظ على الروح المعنوية رغم القصف والخسائر.

وشهدت المدينة معارك عنيفة، وأصبح صمود أهلها أحد أبرز الرموز المرتبطة بالعدوان الثلاثي في الذاكرة الوطنية المصرية. وعلى الرغم من التفوق العسكري للقوات المهاجمة، فإنها واجهت مقاومة محلية وتكاليف سياسية متزايدة، بينما اتسعت الإدانات الدولية للهجوم.

6 نوفمبر.. وقف إطلاق النار وانتصار الإرادة المصرية

جاء السادس من نوفمبر 1956 ليحمل تطورا حاسما في مسار العدوان، عندما أعلنت بريطانيا وفرنسا وقف إطلاق النار تحت ضغط دولي متزايد، بعد أن واجهتا معارضة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، إلى جانب تحرك الأمم المتحدة للمطالبة بوقف العمليات العسكرية وانسحاب القوات المعتدية.

وكان للموقف الأمريكي دور مؤثر في زيادة الضغوط على بريطانيا، التي واجهت أزمة اقتصادية ومالية بالتزامن مع العدوان، كما ساهمت التحركات الدبلوماسية الدولية في تضييق هامش استمرار العمليات العسكرية. ولم يكن الانسحاب نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تداخل المقاومة المصرية مع الضغوط السياسية والاقتصادية والدولية.

مصر تمكنت من الحفاظ على سيادتها على قناة السويس

ورغم أن وقف إطلاق النار لم يعنِ انتهاء الوجود العسكري الأجنبي فورا، فإن مصر تمكنت من الحفاظ على سيادتها على قناة السويس، وبدأت ترتيبات انسحاب القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية، وصولا إلى إخلاء القوات المعتدية الأراضي المصرية. وأصبحت ذكرى السادس من نوفمبر مرتبطة بانتصار الإرادة الوطنية المصرية في مواجهة العدوان، وبقدرة الدولة على التمسك بقرارها السيادي رغم التحديات.

دروس العدوان الثلاثي.. السيادة الوطنية ووحدة الصف

لم تقتصر نتائج العدوان الثلاثي على المواجهة العسكرية، بل امتدت إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ الدولي في الشرق الأوسط، حيث كشفت الأزمة تراجع قدرة القوى الاستعمارية الأوروبية التقليدية على فرض إرادتها العسكرية والسياسية دون مراعاة مواقف القوى الدولية الأخرى. كما عززت مكانة مصر في العالم العربي وحركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا، وأصبحت تجربة تأميم القناة ومواجهة العدوان جزءا من النقاش العالمي حول حق الدول في السيطرة على مواردها.

ومن أبرز الدروس التي تقدمها هذه الذكرى أن حماية السيادة لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، وإنما تحتاج إلى تماسك الجبهة الداخلية، ووضوح القرار السياسي، والاستعداد الاقتصادي، والتحرك الدبلوماسي الفعال. كما تؤكد تجربة بورسعيد أهمية دور المواطنين في حماية مدنهم ومؤسساتها وقت الأزمات، وأن المقاومة الشعبية يمكن أن تكون عنصرا مؤثرا في مواجهة الاعتداءات.

وبعد مرور سبعين عاما على أحداث 1956، تظل ذكرى العدوان الثلاثي مناسبة لاستعادة مرحلة فارقة من التاريخ المصري، والتأمل في معنى الاستقلال الوطني وتكلفة الدفاع عنه.

فقد أثبتت تلك الأحداث أن امتلاك الدولة قرارها وإدارة مواردها يمثلان جزءا أساسيا من أمنها القومي، وأن التضامن بين مؤسسات الدولة والمجتمع يشكل ركيزة مهمة في مواجهة التحديات.

ويبقى السادس من نوفمبر شاهدا على مرحلة استطاعت فيها مصر تحويل أزمة دولية إلى محطة بارزة في مسيرة استقلالها، وعلى صفحة من تاريخ بورسعيد التي ارتبط اسمها بالصمود والمقاومة.