ألقى رئيس أساقفة القدس، الدكتور حسام إلياس نعوم، عظة الأحد العشرين بعد الثالوث، في كاتدرائية واشنطن الوطنية، يوم 18 أكتوبر 2026، مؤكدًا أن كرامة الإنسان تستمد قدسيتها من كونه يحمل صورة الله، وأنه لا يحق لأي دولة أو حكومة أو أيديولوجية أو قوة عسكرية أن تطالب بالولاء المطلق الذي يخص الله وحده.
وشدد نعوم على أن الكنيسة تتحمل مسؤولية مقدسة في الدفاع عن السلام القائم على العدالة والكرامة والحرية والمساواة والأمن، مشيرًا إلى أن الشعب الفلسطيني يحتاج إلى الحرية والعدالة والكرامة وتقرير المصير، مثلما يحتاج الشعب الإسرائيلي إلى الأمن والتحرر من الخوف، وأن مستقبل الشعبين مترابط بصورة عميقة لا يمكن فصلها.
زيارة تأخرت ثلاث سنوات بسبب حرب غزة
استهل رئيس أساقفة القدس عظته بالتعبير عن امتنانه لوقوفه أخيرًا على منبر الكاتدرائية المقدس، بعد تأجيل دام ثلاث سنوات بسبب اندلاع الحرب في غزة، ناقلًا تحياته الحارة وصلواته الدائمة ومحبته المسيحية العميقة من مطرانية القدس، ومن إكليروسها ورعاياها المؤمنة وأبنائها الصامدين، إلى الأسقفة ماريان بودي، وعميد الكاتدرائية القس راندي هوليريث، وجميع رجال الدين وأبناء المجتمع الكنسي في الكاتدرائية ومطرانية واشنطن.
وأعرب عن تقديره للصلوات والمساندة التي قدمها أبناء الكنيسة في الولايات المتحدة على مدار السنوات الماضية، مؤكدًا أنها مثلت سندًا حقيقيًا خلال الظروف الصعبة التي شهدتها المنطقة.
كما وجه الشكر إلى مؤسسة «الأصدقاء الأمريكيون لمطرانية القدس الأسقفية»، التي رعت الزيارة وساهمت في ترتيب مشاركته في الخدمة الكنسية والمنتدى المقرر عقده بعدها، مشيدًا بدعم أعضائها والعاملين فيها، قائلًا إن هذا الدعم كان بالغ الأهمية لاستمرار رسالة الكنيسة في الأرض المقدسة.
«أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله»
وانتقل نعوم إلى التأمل في النص الإنجيلي، الذي يروي مواجهة يسوع لسؤال صُمم للإيقاع به في قلب أورشليم: «أيجوز أن تُعطى الجزية لقيصر أم لا؟».
وأوضح، أن السؤال كان يهدف إلى إجبار يسوع على الاختيار بين السلطة الرومانية المحتلة، من جهة، والإله الحقيقي، إله آبائه وأجداده، من جهة أخرى، لكن يسوع واجه هذا الفخ بحكمة، فطلب دينارًا وسأل الفريسيين والهيرودسيين: «لمن هذه الصورة والكتابة؟»، وحين أجابوا بأنها لقيصر، قال لهم: «أعطوا إذًا ما لقيصر لقيصر وما لله لله».
وأشار رئيس أساقفة القدس إلى أن هذه الإجابة تتجاوز حدود التسوية السياسية، لتعلن حقيقة جوهرية بشأن كرامة الإنسان وسيادة الله؛ فالدينار يحمل صورة قيصر واسمه، بينما يحمل كل إنسان، دون استثناء، صورة الله المقدسة.
وأضاف، أن الحكومات والإمبراطوريات تقوم وتزول، وتفرض الضرائب وتمارس سلطاتها الزمنية، لكن حياة الإنسان تظل مرتبطة بالله، وتحمل كرامة أصيلة لا يحق لأي سلطة أرضية أو حكومة أو إمبراطورية أن تمحوها أو تنتهك قدسيتها.
واستشهد بما ورد في سفر إشعياء عن كورش، ملك فارس، الذي وصفه الكتاب المقدس بأنه مسيح الرب، أي ممسوحه، موضحًا أن هذه الإشارة تذكر المؤمنين بأن عمل الله لا يمكن حصره في التصنيفات السياسية أو الحدود الوطنية، وأنه قادر على العمل من خلال أشخاص غير متوقعين وفتح أبواب ظنها الناس مغلقة إلى الأبد.
الرجاء المسيحي فعل مستمر في مواجهة اليأس
وفي سياق حديثه عن الصراعات الممتدة واليأس الذي تتركه الحروب، استحضر نعوم كلمات الرسول بولس إلى أهل تسالونيكي عن عمل الإيمان وتعب المحبة وصبر الرجاء، مؤكدًا أن الرجاء المسيحي ليس حالة سلبية من الانتظار، بل قوة فاعلة تتجسد في العمل والمحبة والثبات.
وقال، إن هذا الرجاء هو ما يبقي مستشفيات مطرانية القدس في خدمة المرضى، ومدارسها مستمرة في التعليم، ورعاياها مواظبة على الصلاة، ومجتمعاتها مثابرة في السعي نحو العدالة، حتى عندما تحاول الظروف القاسية دفع الجميع إلى الاستسلام.
وأكد أن رسالة الإنجيل تكتسب إلحاحًا خاصًا في ظل المعاناة التي تشهدها الأرض المقدسة، وسط الحرب والاحتلال والعنف والتهجير والخوف والحزن، مشددًا على أن الكنيسة مدعوة إلى رؤية صورة الله في كل إنسان، لا فيمن يشبهوننا أو يتفقون معنا في الفكر والمواقف السياسية فحسب، بل في الفلسطيني والإسرائيلي، والمواطن واللاجئ، والجريح والمكلوم، والقريب والعدو على حد سواء.
مستشفيات ومدارس الكنيسة تواصل رسالتها رغم الدمار
وأوضح رئيس أساقفة القدس أن الإيمان بكرامة الإنسان يمثل جوهر رسالة المطرانية، وهو ما يدفعها إلى مواصلة تشغيل المستشفى الأهلي العربي في غزة وسط الدمار والمعاناة، وإبقاء مستشفى القديس لوقا في نابلس مستمرًا في تقديم خدماته العلاجية في قلب الضفة الغربية المحاصرة.
كما أشار إلى استمرار مركز الأميرة بسمة في رعاية الأطفال ذوي الإعاقة على جبل الزيتون في القدس، إلى جانب مواصلة المدارس والكنائس التابعة للمطرانية في خمس دول فتح أبوابها وأداء رسالتها.
وشدد على أن الدعوة المقدسة للكنيسة تتمثل في الشفاء والتعليم والصلاة والخدمة والسعي إلى العدالة وصون كرامة الإنسان، ولا سيما في الأوقات التي تهدد فيها الانقسامات والكراهية بتقويض المجتمعات.
وأكد أن تعاليم المسيح تذكر المؤمنين بأنه لا يجوز لأي أمة أو حكومة أو أيديولوجية أو قوة عسكرية أو قضية سياسية أن تطالب بالولاء المطلق الذي يخص الله وحده.
قرارات واشنطن تؤثر في حياة البشر خارج حدود الولايات المتحدة
وتوقف نعوم عند المسؤولية التي تتحملها الولايات المتحدة، بالنظر إلى تأثير القرارات المتخذة في مراكز السلطة بواشنطن على حياة البشر في مناطق بعيدة عن حدودها.
واستشهد بالمثل الشائع: «إذا عطست أمريكا، أُصيب العالم بالزكام»، مضيفًا أن عواقب بعض القرارات قد تكون أشد خطورة بكثير من مجرد الزكام.
وقال إن وراء كل تقرير عن السياسة الخارجية، وكل رقم في نشرات الأخبار، وكل نقاش سياسي، نفسًا بشرية حية تحمل صورة الله، مشيرًا إلى أن الأسقفة ماريان بودي سبق أن دافعت عن هذه الحقيقة في عظة ألقتها من المنبر نفسه، وأنه يردد اليوم صدى كلماتها النبوية الشجاعة.
وشدد على أن الكنيسة تتحمل مسؤولية مقدسة في رفع صوتها بأمانة في المجال العام، والدعوة إلى سلام متجذر في العدالة والكرامة والحرية والمساواة والأمن، سلام يستند إلى صليب الرب يسوع المسيح.
حرية الفلسطينيين وأمن الإسرائيليين ليسا نقيضين
وفي موقفه بشأن مستقبل الأرض المقدسة، أكد نعوم أن الشعب الفلسطيني يحتاج إلى الحرية والعدالة والكرامة وحق تقرير المصير، مثلما يحتاج الشعب الإسرائيلي إلى الأمن والحرية من الخوف.
وشدد على أن هذه التطلعات الإنسانية لا ينبغي أن يلغي بعضها بعضًا، لأن مستقبل الشعبين مترابط بعمق ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.
وأضاف، أن مسيحيي الأرض المقدسة يواصلون حضورهم باعتبارهم كنيسة حية ومتجذرة في الأرض التي وُلدت فيها المسيحية، رغم المعاناة العميقة وحالة عدم اليقين اليومية، من خلال العبادة والتعليم والشفاء والخدمة والصلاة والشهادة للرب المصلوب والقائم من بين الأموات.
وأكد أن أورشليم تعرف الواقع المرير للصلبان والقبور، لكنها تعرف أيضًا أن الصليب ليس الكلمة الأخيرة، وأن الحجارة يمكن أن تُدحرج عن أبواب القبور، وأن المعجزات يمكن أن تحدث.
من الخوف إلى الثقة.. ومن العنف إلى المصالحة
واختتم رئيس أساقفة القدس عظته بالتأكيد على أن سؤال يسوع «لمن هذه الصورة؟» لا يزال يتردد عبر القرون، أمام واشنطن والأرض المقدسة والعالم أجمع.
وأوضح، أن الشجاعة الحقيقية تبدأ عندما يتجاوز البشر انقساماتهم، ويتعرفون على صورة الله في القريب والغريب والجريح، وحتى في العدو، بما يفتح الطريق من الخوف إلى الثقة، ومن الهيمنة إلى العدالة، ومن العنف إلى المصالحة، ومن الموت إلى الحياة.
ودعا إلى عدم السماح باستغلال الإنجيل لخدمة الأيديولوجيات الأرضية، مؤكدًا أن المسيح لا ينتمي إلى معسكر سياسي بعينه، بل إن الجميع ينتمون إليه ويجدون مكانهم في أحضان محبته.
واختتم بالتشديد على أن رسالة المؤمنين، إلى أن يأتي المسيح ثانية، تظل قائمة على صنع العدل ومحبة الرحمة والسلوك بتواضع مع الله، وعبادته بالروح والحق، قائلًا: «لنعطِ أولًا ما لله لله، لمجد اسمه الأبدي، وعندئذ سيجد كل شيء آخر مكانه الصحيح».
قال إن الشعب الفلسطيني يحتاج إلى الحرية والعدالة والكرامة وحق تقرير المصير، مثلما يحتاج الشعب الإسرائيلي إلى الأمن والتحرر من الخوف
أوضح أنها تأجلت ثلاث سنوات بسبب اندلاع الحرب في غزة قبل أن يلقي عظته أخيرًا في كاتدرائية واشنطن الوطنية
أكد أن الكنيسة مسؤولة عن الدفاع عن سلام قائم على العدالة والكرامة والحرية والمساواة والأمن، وأن المطرانية تواصل تشغيل مستشفياتها ومدارسها وخدماتها رغم الدمار والمعاناة


