يواجه حلفاء الولايات المتحدة في الناتو تحديًا كبيرًا بعد مطالبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، مما قد يؤدي إلى كلفة سنوية تصل إلى 800 مليار دولار، وهو ما يعادل ميزانية صناديق التعافي الأوروبية بالكامل.
كم يكلف الجيش الأوروبي؟
عاد ملف الاستقلال الدفاعي الأوروبي إلى الواجهة بقوة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، حيث يواجه الاتحاد الأوروبي خيارًا صعبًا بين تلبية المطالب الأمريكية أو مواجهة انسحاب تدريجي من الالتزامات الدفاعية الأمريكية. تشير تقديرات معهد كيل للاقتصاد العالمي إلى أن الالتزام بنسبة 5% يعني إنفاقًا إضافيًا يتراوح بين 831 مليار يورو و800 مليار دولار سنويًا، وهو مبلغ يعادل الناتج المحلي الإجمالي لدول مثل بلجيكا أو أيرلندا.
أرقام متفاوتة ورؤى متضاربة
تختلف التقديرات حول الكلفة الحقيقية للاستقلال الدفاعي الأوروبي، حيث يعتقد بعض المحللين أنها قد لا تتجاوز 250 مليار يورو إضافية سنويًا، بينما يشير آخرون إلى أن الطموحات في الردع النووي وقيادة عسكرية موحدة قد ترفع الفاتورة إلى مستويات غير مسبوقة. تقديرات معهد بروجل تشير إلى أن رفع الإنفاق إلى 3.7% يتطلب 275 مليار يورو إضافية سنويًا، بينما يضعها البرلمان الأوروبي عند 254 ملياراً.
تحديات هيكلية تعيق الحلم العسكري
تواجه الصناعة الدفاعية الأوروبية تحديات كبيرة، حيث تعاني من تجزؤ شديد مع وجود أنظمة أسلحة غير متوافقة وبرامج وطنية مكررة، مما يحد من وفورات الحجم. كما تطرح تساؤلات حول القيادة النووية، وما إذا كانت الأسلحة الفرنسية ستكون تحت تصرف قيادة أوروبية موحدة، وكيف يمكن بناء مشروع عسكري في ظل التحديات الجيوسياسية المتزايدة من الصين وروسيا وإيران.
تداعيات على ميزانيات الدول الكبرى
في بريطانيا، يحذر مكتب مسؤولية الميزانية من أن الإنفاق الدفاعي الإضافي سيزيد الضغط على ميزانية تعاني من شيخوخة السكان وارتفاع تكاليف الصحة والتقاعد. وفي فرنسا، تواجه الحكومة صعوبة في تصحيح عجزها الميزانية دون التأثير على النمو الاقتصادي. أما ألمانيا، فتقوم بأكبر تحول مالي في تاريخها الحديث، بإصدار سندات تتجاوز 800 مليار يورو حتى 2030، لتمويل برنامج إعادة تسليح غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية، مع وصول ميزانية الدفاع إلى 183.6 مليار يورو بحلول 2030.
تبدو أوروبا الآن أمام مفترق طرق تاريخي، حيث تتحول أحلام الاستقلال العسكري إلى فاتورة باهظة تهدد ميزانيات الدول الأعضاء، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كان ثمن التحرر من الالتزامات الأمريكية يستحق هذه التضحية الاقتصادية، أم أن الحل يكمن في إعادة تعريف العلاقة عبر الأطلسي بما يتناسب مع واقع القرن الحادي والعشرين.

