تتجه قضية الهجرة إلى صدارة المعركة الانتخابية الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027، وسط تقارب متزايد بين تيارات سياسية متباينة حول ضرورة تشديد الرقابة على الحدود والحد من تدفقات المهاجرين، مقابل خلافات جوهرية بشأن تسوية أوضاع المقيمين بصورة غير نظامية، وحقوق الحصول على الجنسية، ولمّ شمل الأسر، ومستقبل المساعدات الاجتماعية المقدمة للأجانب، وذلك وفق تقرير شامل نشرته مجلة «لوبوان» الفرنسية، نستعرضه فى العرض التالى.

وامتد هذا التحول من اليمين والوسط إلى قطاعات من اليسار، في مؤشر على اتساع نطاق الأفكار المطروحة في النقاش العام بشأن الهجرة. وبحسب استطلاع أجرته مؤسسة «أودوكسا-باكبون» في يناير 2026، يرى 70% من الفرنسيين أن عدد المهاجرين في البلاد أكبر مما ينبغي.

وفي هذا المناخ، لم تعد قضايا مثل نظرية «الاستبدال العظيم» التي يروج لها إريك زمور، ومبدأ «الأولوية الوطنية» الذي يدافع عنه حزب التجمع الوطني بقيادة مارين لوبان، وإلغاء حق الحصول على الجنسية بالولادة، الذي يطالب به برونو روتايو، مقتصرة على أطراف النقاش السياسي، بل أصبحت حاضرة بقوة في البرامج والمواقف الانتخابية.

وفي المقابل، يحاول بعض المرشحين التوفيق بين تشديد الرقابة على الهجرة والحفاظ على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمهاجرين. ويعبّر رافاييل جلوكسمان عن هذا الاتجاه بالإشارة إلى حالة استياء متزايدة من غياب السيطرة على ملف الهجرة.

وفيما يلي أبرز مواقف المرشحين المحتملين في انتخابات الرئاسة الفرنسية لعام 2027، وفقًا للمقترحات التي أعلنها كل منهم.

جابرييل أتال.. هجرة أقل وفق احتياجات سوق العمل.

يدعو رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق في عهد إيمانويل ماكرون إلى «استقبال عدد أقل من المهاجرين من أجل استقبالهم بصورة أفضل»، واضعًا هجرة العمالة في صدارة أولوياته، بحيث تصبح «السبب الأول للهجرة» إلى فرنسا.

ويقترح أتال تحديد احتياجات سوق العمل كل عامين بالتشاور مع الشركاء الاجتماعيين، ثم وضع حصص قصوى للهجرة يقرها البرلمان، مع مراعاة المهن والقطاعات الاقتصادية ومناطق المنشأ.

وفي ما يتعلق بلمّ شمل الأسر، يدعو إلى زيادة مدة الإقامة المطلوبة للاستفادة من هذا الحق، مع تشديد الشروط المرتبطة بإتقان اللغة الفرنسية واحترام قيم الجمهورية، مشيرًا إلى ضرورة بحث إمكانية الذهاب أبعد في هذه المتطلبات.

ويعكس هذا التوجه رغبة في ربط استقبال المهاجرين باحتياجات الاقتصاد الفرنسي، مع إخضاع الهجرة العائلية لشروط أكثر صرامة.

رافاييل جلوكسمان.. تسوية أوضاع 250 ألف عامل.

يتبنى رافاييل جلوكسمان، مرشح حزب «الساحة العامة»، مقاربة تقوم على الجمع بين الحزم في إدارة الحدود والحفاظ على الحقوق الإنسانية والاجتماعية للمهاجرين.

ويرفض جلوكسمان الدعوات إلى وقف الهجرة بصورة كاملة، قائلًا: «الهجرة الصفرية كذبة أو انتحار». ويدافع عن تسوية أوضاع نحو 250 ألف عامل لا يحملون وثائق إقامة قانونية، باعتبارهم جزءًا من القوة العاملة التي تسهم في تسيير الاقتصاد الفرنسي.

ويبرر موقفه بالقول إنه مستعد لتحمل مسؤولية تسوية أوضاع هؤلاء العمال، مؤكدًا أنه لن يضحي بالاقتصاد الفرنسي من أجل كراهية الأجانب.

لكن هذا الموقف لا يعني التخلي عن الرقابة على الحدود، إذ يشدد جلوكسمان على ضرورة مراقبة دخول المهاجرين وضمان تطبيق القوانين الفرنسية.

ويقترح كذلك تنظيم «مؤتمر للمواطنين حول الهجرة»، على أن تُعرض توصياته على البرلمان لمناقشتها والتصويت عليها، في محاولة لإشراك المواطنين في صياغة السياسة المتعلقة بهذا الملف.

مارين لوبان.. «الأولوية الوطنية» واستفتاء على الهجرة.

تتعهد مارين لوبان، مرشحة حزب التجمع الوطني، بخفض تدفقات الهجرة بصورة كبيرة، من دون أن يعلن الحزب، حتى الآن، هدفًا رقميًا محددًا لهذا الخفض. وكانت لوبان قد استهدفت، خلال حملتها الرئاسية عام 2022، تقليص تدفقات الهجرة العائلية السنوية بنسبة 75%.

وتعتزم لوبان طرح سياستها المتشددة بشأن الهجرة على استفتاء شعبي فور وصولها إلى السلطة، مستندة إلى المادة 11 من الدستور الفرنسي. غير أن هذه الخطوة تثير اعتراضات لدى عدد من الخبراء الدستوريين بشأن مدى توافقها مع القواعد الدستورية المنظمة للاستفتاءات.

وفي سبتمبر 2026، ردت لوبان، خلال مقابلة مع قناة «إل سي آي»، على الاعتراضات المتعلقة بدور المجلس الدستوري، قائلة: «المجلس الدستوري ليس سلطة مضادة للشعب».

ويتمثل أحد المحاور الرئيسية لبرنامج التجمع الوطني في إقرار مبدأ «الأولوية الوطنية»، الذي يمنح الفرنسيين أولوية في الاستفادة من بعض الحقوق والمساعدات مقارنة بالأجانب.

ويقدّر الحزب الوفورات المالية المتوقعة من إصلاحاته المتعلقة بالهجرة بنحو 12 مليار يورو، من خلال إجراءات تشمل الإيواء الطارئ، والمساعدة الطبية الحكومية، وتصاريح الإقامة لأغراض العلاج، وبعض المساعدات الاجتماعية.

وتضع هذه المقترحات حقوق المهاجرين في صلب المواجهة السياسية والقانونية المرتقبة، في ظل الجدل حول مدى توافقها مع الدستور الفرنسي والالتزامات الأوروبية والدولية.

دافيد ليسنار.. خفض الهجرة ثمانية أضعاف.

يدعو دافيد ليسنار، رئيس بلدية كان، إلى خفض تدفقات الهجرة بما لا يقل عن ثمانية أضعاف، مستندًا إلى رؤية تعتبر أن منظومة الرعاية الاجتماعية الفرنسية تشكل عامل جذب للفقر والهجرة.

ويرى ليسنار أن دولة الرفاه تعمل بمثابة «مكنسة تجذب الفقر، وبالتالي الهجرة»، ويقترح مجموعة من الإجراءات لتغيير السياسات المعمول بها حاليًا.

وتشمل مقترحاته إعادة تجريم الإقامة غير النظامية، ومعالجة طلبات اللجوء في بلدان المنشأ من خلال القنصليات الفرنسية، فضلًا عن وقف التمويل عن المنظمات التي يرى أنها تخدم مصالح مهربي البشر.

كما يدعو إلى إجراء استفتاء دستوري يمنح القانون الفرنسي الأولوية على القانون الدولي واللوائح الأوروبية في قضايا الهجرة، وهو طرح من شأنه فتح مواجهة قانونية وسياسية بشأن العلاقة بين التشريع الوطني والتزامات فرنسا الخارجية.

وتضع هذه المقترحات ليسنار ضمن التيار الداعي إلى تغيير جذري في إدارة الهجرة، سواء على مستوى الحدود أو القواعد القانونية المنظمة للإقامة واللجوء.

جان لوك ميلانشون.. تسوية أوضاع المهاجرين وحماية حق الجنسية.

يدافع جان لوك ميلانشون، مرشح حزب «فرنسا الأبية»، عن تسوية أوضاع العمال المقيمين بصورة غير نظامية، وتبسيط إجراءات تجديد تصاريح الإقامة، معتبرًا أن هؤلاء العمال يسهمون في الاقتصاد الفرنسي، ويمكن أن تزيد اشتراكاتهم من الموارد المتاحة لتمويل نظام الضمان الاجتماعي.

كما يدعو إلى إعادة تنظيم الإجراءات المرتبطة ببطاقات الإقامة، مع الحفاظ على حق الحصول على الجنسية بالولادة بالنسبة إلى المولودين على الأراضي الفرنسية وفق القواعد المعمول بها.

وفي هذا السياق، أعلن ميلانشون خلال فعالية في سان دوني يوم 7 يونيو موقفه الرافض للمساس بهذا الحق، قائلًا: «مولود في فرنسا؟ إذن أنت فرنسي! ممنوع المساس بهذا الحق!».

ويرى ميلانشون أن الهجرة يمكن أن تسهم أيضًا في زيادة عدد السكان النشطين اقتصاديًا، بما يساعد على تمويل نظام التقاعد في ظل التحديات الديموغرافية التي تواجه فرنسا.

ومع ذلك، يحذر من اختزال المهاجرين في دورهم الاقتصادي، مؤكدًا: «لا يمكننا التعامل مع الناس كما لو كانوا مجرد بيادق تحت تصرفنا».

ويقدم هذا النهج بديلًا للمقترحات التي تربط خفض الهجرة بتقليص المساعدات الاجتماعية أو تشديد شروط الحصول على الجنسية، مع التركيز على مساهمة المهاجرين في الاقتصاد والمجتمع.

إدوار فيليب.. خفض الهجرة القانونية إلى النصف.

يدعو إدوار فيليب، رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق ومرشح حزب «آفاق»، إلى خفض تدفقات الهجرة بصورة كبيرة، رغم رفضه فكرة الوصول إلى «هجرة صفرية» وانتقاده الخطاب الذي يراه قائمًا على المبالغة في المخاوف من «الاستبدال العظيم».

ويقول فيليب إن فرنسا مطالبة بالاعتراف بأن مستويات الهجرة مرتفعة أكثر من اللازم، مقترحًا خفض الهجرة القانونية إلى النصف، والوصول إلى عدد يقل كثيرًا عن 200 ألف تصريح إقامة سنويًا، مع استمرار استقبال العمال الأجانب وفق احتياجات الاقتصاد.

ومن بين أبرز مقترحاته فرض تجميد مؤقت للمّ الشمل الأسري طوال الولاية الرئاسية، في خطوة تستهدف الحد من أحد مسارات الهجرة القانونية.

وعلى المستوى الأوروبي، يدعو إلى إنشاء ما يسميه «قفل شنغن»، بحيث يصبح الحصول على موافقة مسبقة من الدول الأعضاء إلزاميًا إذا تجاوزت عمليات تسوية أوضاع المهاجرين جماعيًا حدًا معينًا يجري الاتفاق عليه.

أما في جزيرة مايوت الفرنسية، التي تواجه ضغوطًا مرتبطة بالهجرة، فيتعهد فيليب بإغلاق منافذ الدخول، ويقترح تعليق حق الحصول على الجنسية بالولادة لعدة سنوات، إلى جانب إنشاء مركز للعودة في شرق أفريقيا.

وتعكس هذه المواقف محاولة للجمع بين تقليص الهجرة القانونية وتشديد الإجراءات على المستوى الأوروبي، مع الإبقاء على قنوات لاستقدام العمالة الأجنبية التي يحتاج إليها الاقتصاد الفرنسي.

برونو روتايو.. تعديل الدستور وإلغاء الجنسية بالولادة.

يركز برونو روتايو، رئيس حزب الجمهوريين، على تغيير الإطار الدستوري والقانوني الذي يحكم سياسة الهجرة، مقدمًا نفسه باعتباره داعيًا إلى استعادة سلطة المؤسسات المنتخبة في مواجهة القيود القضائية.

ويقول روتايو: «الهجرة ليست فرصة، بل عبء»، منتقدًا ما يصفه بـ«حكم الفيتو»، في إشارة إلى إقرار قوانين عبر التصويت ثم إبطالها قضائيًا.

ويريد روتايو تعديل الدستور لتوسيع نطاق اللجوء إلى الاستفتاء، بما يسمح للفرنسيين بحسم خيارات السياسة المتعلقة بالهجرة بصورة مباشرة.

كما يدافع عن إلغاء حق الحصول على الجنسية بالولادة، وتشديد شروط لمّ الشمل الأسري، من خلال فرض متطلبات أكثر صرامة تتعلق بالدخل والسكن وإتقان اللغة الفرنسية.

وفي ما يتعلق باحتياجات سوق العمل، يرفض روتايو الاعتماد على استقدام مزيد من العمال المهاجرين، ويفضل الاستثمار في تدريب المواطنين الفرنسيين والأجانب المقيمين بصورة قانونية، بهدف تلبية احتياجات الاقتصاد من العمالة.

وبذلك، يضع روتايو إصلاح الدستور وتقييد بعض مسارات الهجرة القانونية في قلب برنامجه، معتبرًا أن تغيير القواعد المنظمة للملف شرط أساسي لتطبيق السياسة التي يدعو إليها.

إريك زمور.. «إعادة الهجرة» وترحيل فئات واسعة من الأجانب.

يتبنى إريك زمور، رئيس حزب «استرداد»، الموقف الأكثر تشددًا بين المرشحين الواردة مواقفهم في هذا الملف، إذ يرى أن وقف تدفق المهاجرين لا يكفي، ويدعو إلى الانتقال نحو سياسة «إعادة الهجرة»، التي تستهدف دفع أعداد من الأجانب إلى مغادرة فرنسا.

وفي كلمة ألقاها في بور مارلي يوم 13 سبتمبر 2026، دعا زمور إلى «إطلاق هجرة سلبية، أي إعادة الهجرة».

وبعد أربعة أيام، أوضح، خلال مقابلة مع قناة «بي إف إم تي في»، الفئات التي يريد استهدافها، وتشمل المجرمين الأجانب، سواء كانوا مسجونين أم لا، والأجانب المقيمين بصورة غير قانونية، وكذلك من أمضوا عامًا في البطالة حتى لو كانت إقامتهم قانونية، إلى جانب من قال إنهم يعيشون حصريًا على المساعدات الاجتماعية.

ويطرح زمور كذلك الاعتماد على الروبوتات والذكاء الاصطناعي لمواجهة احتمال نقص العمالة الذي قد ينتج عن تقليص أعداد العمال الأجانب، معتبرًا أن التكنولوجيا يمكن أن تسهم في الحد من اعتماد الاقتصاد الفرنسي على الهجرة.

وتتجاوز هذه الرؤية إجراءات ضبط الحدود أو تشديد شروط الإقامة، لتطرح تغييرًا واسعًا في سياسة فرنسا تجاه الأجانب المقيمين على أراضيها، بما يفتح الباب أمام جدل بشأن سوق العمل والحقوق الاجتماعية والالتزامات القانونية.

الهجرة.. ملف مرشح لإعادة رسم المشهد السياسي الفرنسي.

تكشف المقترحات المطروحة عن اتساع مساحة الخلاف بشأن مستقبل الهجرة في فرنسا، رغم تزايد الدعوات إلى تشديد الرقابة على الحدود. فبينما يدعو مرشحو اليمين إلى خفض أعداد المهاجرين وتقييد بعض حقوقهم، يتمسك مرشحون من اليسار بتسوية أوضاع العمال غير النظاميين وحماية حق الجنسية بالولادة، مع تأكيد ضرورة تطبيق القوانين المنظمة لدخول البلاد والإقامة فيها.

ولا يقتصر التنافس على حجم الهجرة المسموح بها، بل يمتد إلى طبيعة الدولة الفرنسية نفسها: حدود صلاحيات الاستفتاء، والعلاقة بين الدستور والقانون الأوروبي والدولي، ودور المهاجرين في الاقتصاد، ومستقبل دولة الرفاه.

ومع اقتراب انتخابات 2027، يُتوقع أن يحتل هذا الملف موقعًا محوريًا في المواجهة بين المرشحين، في وقت تتزايد فيه الضغوط الشعبية والسياسية لإعادة النظر في سياسات الهجرة، بينما تظل المقترحات المطروحة متفاوتة بين تشديد الإجراءات الإدارية وإحداث تغييرات دستورية واسعة.

الأسئلة الشائعة

تتصدر قضية الهجرة المشهد الانتخابي مع دعوات متزايدة لتشديد الرقابة على الحدود وخفض التدفقات ومراجعة ملفات مثل الجنسية ولمّ الشمل والمساعدات الاجتماعية

يقترح تسوية أوضاع نحو 250 ألف عامل بلا وثائق إقامة قانونية مع الإبقاء على الرقابة على الحدود وتنظيم مؤتمر للمواطنين حول الهجرة لعرض توصياته على البرلمان

بعض المرشحين مثل ميلانشون يتمسكون بحق الجنسية بالولادة بينما يدعو آخرون مثل لوبان وروتايو وفيليب إلى تقييده أو تعليقه وتشديد شروط لمّ شمل الأسر