ناقشت جلسة «خيارات الطاقة والمياه التي ترسم ملامح المستقبل في ظل اعتياد الطوارئ»، التي عُقدت ضمن فعاليات اليوم الثاني لـ«منتدى القاهرة الثالث 2026» (Cairo Forum 2026) الذي ينظمه المركز المصري للدراسات الاقتصادية، سُبُل تعزيز أمن الطاقة والمياه في المنطقة العربية، ومدى قدرة الاقتصادات الإقليمية على مواجهة الأزمات المتكررة والمتلاحقة.
وسلّطت الجلسة الضوء على آليات مواجهة تلك التحديات عبر تعزيز التكامل الإقليمي، وحشد الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتطوير البنية التحتية، فضلًا عن التطرق إلى التحديات المرتبطة بتسعير الموارد الطبيعية وتداعيات التوسع في مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي على معدلات استهلاك الطاقة والمياه.
وأثار المتحدثون خلال الجلسة نقاشات موسعة حول ضرورة الانتقال من نمط التعامل مع الأزمات باعتبارها حالات طارئة منفصلة إلى تبني استراتيجيات مستدامة طويلة الأجل، وحذروا من أن تتحول دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى مجرد مواقع تستضيف مراكز بيانات تستهلك مواردها الطبيعية، بينما تنتقل القيمة الاقتصادية الناتجة عن معالجة البيانات وتطوير الخدمات إلى الخارج.
وقال الدكتور خالد سليمان السعيد، رئيس مجلس إدارة شركة «الخزانة كابيتال»، إن قدرة الدول على تجاوز الأزمات الاقتصادية ترتبط بمدى امتلاكها برامج إصلاح وطنية واضحة، وحرص قياداتها على تبني هذه البرامج وتحمل مسؤولية تنفيذها، مشيرًا إلى أن الفارق بين الاقتصادات التي تنجح في تجاوز الاختناقات الهيكلية وغيرها يكمن في جدية الإصلاح واستمرار تنفيذه.
وأضاف أن برامج الإصلاح، سواء وضعتها الحكومات بصورة مستقلة أو جاءت بدعم من مؤسسات التنمية الدولية، تحتاج إلى تبني مجتمعي وتواصل واضح مع المواطنين، لافتًا إلى أن الأخطاء التي قد تحدث خلال التنفيذ يمكن تصحيحها، بينما يترتب على عدم اتخاذ القرارات الضرورية تكاليف أكبر على المدى الطويل.
وأشار السعيد إلى أن المنطقة العربية تمتلك فرصًا واسعة لتعزيز أمن الطاقة والمياه من خلال التكامل الإقليمي، بدلًا من استمرار التعامل مع المشروعات بصورة منفصلة بين الدول، موضحًا أن السعودية تمتلك خبرات كبيرة في مجال تحلية المياه، ويمكن الاستفادة من هذه الخبرات والقدرات في بناء منظومة عربية مشتركة لتوفير الموارد المائية.
ولفت إلى أن مشروعات الربط الكهربائي بين مصر والسعودية تمثل نموذجًا عمليًا لهذا التعاون، إذ تسمح اختلافات توقيت ذروة استهلاك الكهرباء في البلدين بتبادل الطاقة ورفع كفاءة استخدام الشبكات، مؤكدًا أهمية تعميم هذه التجارب على نطاق عربي أوسع.
وشدد السعيد على ضرورة إعادة تفعيل اتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرى وتنفيذها بصورة أكثر جدية، معتبرًا أن مصر والسعودية يمكن أن تقودا هذه العملية من خلال إطلاق نموذج عملي للتعاون الاقتصادي والتجاري، تلتحق به بقية الدول العربية لاحقًا.
وأوضح أن الدول العربية تمتلك مقومات إقامة سوق مشتركة، تشمل رؤوس الأموال والموارد الطبيعية والقوى العاملة والموقع الجغرافي.
وأضاف السعيد أن عدد سكان الدول العربية يقترب من 470 مليون نسمة، مقارنة بنحو 450 مليون نسمة في الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن امتلاك المنطقة موارد متنوعة من النفط والغاز والطاقة الشمسية، ما يجعلها مؤهلة لبناء تكتل اقتصادي وتجاري أكثر قدرة على المنافسة.
وتوقع أن يسهم إطلاق السوق العربية المشتركة في توفير نحو 5 ملايين فرصة عمل خلال ثلاث أو أربع سنوات، بما يدعم التشغيل ويعزز الاستفادة من الإمكانات الاقتصادية غير المستغلة، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها التحولات التجارية العالمية، كما يمكنه من تقليل القيود التنظيمية، وتعزز التعاون في مشروعات البنية التحتية، وترفع مستويات الأمن المائي وأمن الطاقة، وتحد من تعرض الدول العربية لمواطن الضعف الناتجة عن العمل بصورة منفردة.
وفيما يتعلق بدور صندوق النقد الدولي، أكد السعيد أن المؤسسات المالية الدولية يمكنها تقديم برامج الإصلاح والتمويل والمشورة، لكن المسؤولية الأساسية عن التنفيذ تقع على عاتق الحكومات، مشددًا على أهمية امتلاك الدولة زمام المبادرة وعدم الاكتفاء بالحصول على التمويل.
وأوضح أن نجاح الإصلاح يتطلب كسب ثقة المواطنين، خاصة الفئات التي لم تحسم موقفها من الإجراءات الاقتصادية، من خلال شرح أهداف القرارات وتداعياتها المتوقعة، وإقناع المواطنين بجدواها، بدلًا من فرضها دون حوار مجتمعي.
وأكد السعيد أن توافر رؤوس الأموال في السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب الموارد البشرية العربية، يتيح تمويل مشروعات ضخمة في تحلية المياه وتوليد الكهرباء، شريطة أن تُنفذ بمنظور إقليمي يضمن اتساع قاعدة المستفيدين منها، ويجعلها أكثر جاذبية للاستثمارات طويلة الأجل.
من جانبه، أكد محمد فريد بلحاج، نائب رئيس البنك الدولي سابقًا وزميل أول بمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، أن ندرة المياه تمثل أحد أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، باعتبارها من أكثر مناطق العالم معاناة من نقص الموارد المائية، مشددًا على ضرورة ترجمة الاهتمام الحكومي بهذا الملف إلى استثمارات فعلية ومخصصات مالية واضحة.
وقال إن تخصيص نحو 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة للاستثمار في معالجة أزمات المياه، بما يشمل مصادر الطاقة المتجددة والبنية التحتية والتكامل بين قطاعي المياه والطاقة، يمكن أن يجنب اقتصادات المنطقة خسائر تصل إلى 14% من ناتجها المحلي الإجمالي نتيجة عدم كفاءة إدارة الموارد المائية.
وأضاف بلحاج أن حجم الاستثمار المطلوب يظل محدودًا مقارنة بالعوائد الاقتصادية المتوقعة، مؤكدًا أن التعامل مع أزمة المياه يتطلب استراتيجية طويلة الأجل تتجاوز التدخلات العاجلة والإجراءات المؤقتة التي تفرضها الأزمات المتكررة وكأنها محاولات «إطفاء الحرائق».
وأشار إلى أن إدارة الطوارئ بصورة مستمرة قد تؤدي إلى فقدان الرؤية الاستراتيجية، داعيًا إلى تبني مسارين متوازيين؛ الأول للتعامل مع الاحتياجات العاجلة، والثاني لبناء بنية تحتية وسياسات مستدامة تضمن أمن المياه والطاقة خلال السنوات المقبلة.
وأوضح أن التعاون الثنائي بين الدول العربية يمكن أن يمثل نقطة انطلاق عملية نحو مشروعات إقليمية أوسع، بحيث تبدأ دولتان أو أكثر بتنفيذ نماذج ناجحة في إدارة الموارد المائية، ثم تتوسع التجربة لتشمل بقية دول المنطقة.
وفيما يتعلق بتسعير المياه الحر دون دعم حكومي، حذر بلحاج من أن معالجة أزمة التمويل لا ينبغي أن تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية، مؤكدًا أهمية تطبيق تعريفات عادلة وتدريجية، توازن بين التكلفة الاقتصادية للموارد والقدرة على تحمل الأعباء، مع تجنب توجيه الدعم إلى الفئات القادرة على دفع التكلفة الحقيقية.
وأضاف أن تعبئة الاستثمارات المطلوبة، التي قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات في قطاعي المياه والطاقة، تتطلب شراكات بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب تطوير نظم التسعير بما يسمح باستدامة المشروعات وتحقيق عوائد اقتصادية مناسبة.
وتطرق بلحاج إلى التوسع في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، موضحًا أن هذه المشروعات تستهلك كميات كبيرة من الطاقة والمياه، ما يستدعي دراسة تكلفتها الاقتصادية والبيئية، وتقييم تكلفة الفرصة البديلة لاستخدام الموارد النادرة في تشغيلها.
وشدد على ضرورة ألا تتحول دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى مجرد مواقع تستضيف مراكز بيانات تستهلك مواردها الطبيعية، بينما تنتقل القيمة الاقتصادية الناتجة عن معالجة البيانات وتطوير الخدمات إلى الخارج.
وأكد أهمية بناء سلاسل قيمة محلية وإقليمية مرتبطة بهذه الاستثمارات، بما يسمح للدول المستضيفة بالاستفادة من البيانات والخدمات الناتجة عنها، وتحويلها إلى أنشطة اقتصادية ذات قيمة مضافة، بدلًا من الاكتفاء بتوفير الأراضي والطاقة والمياه.
واختتم بلحاج توصياته بالتأكيد على ضرورة ألا تعيد المنطقة إنتاج النموذج الاقتصادي القائم على استخراج الموارد وتصديرها دون تعظيم قيمتها، مشيرًا إلى أهمية استغلال الموقع الجغرافي الاستراتيجي والموارد الطبيعية وإمكانات الطاقة المتجددة لتأسيس نموذج تنموي أكثر استفادة من الاستثمارات التكنولوجية.
وقال هشام الخازندار، الشريك المؤسس والعضو المنتدب لمجموعة «القلعة»، إن الأزمات والصدمات المتكررة التي تتعرض لها المنطقة تمثل عائقًا أمام النمو والاستثمار، سواء المحلي أو الأجنبي المباشر، موضحًا أن جانبًا كبيرًا من هذه الصدمات يرتبط بعوامل خارجية لا تتحكم فيها دول المنطقة، لكنها تتحمل تداعياتها الاقتصادية والاستثمارية.
وأضاف أن الأزمات تدفع الحكومات في أحيان كثيرة إلى إبطاء وتيرة الإصلاح وتأجيل القرارات الصعبة تجنبًا للاضطرابات، وهو ما حدث في مراحل سابقة بقطاعات الطاقة والبنية التحتية في مصر، مشيرًا إلى أن تأجيل هذه القرارات أدى إلى تراكم احتياجات استثمارية كان يتعين التعامل معها في وقت مبكر.
وأوضح الخازندار أن السنوات الماضية شهدت اتخاذ قرارات إصلاحية مهمة في قطاع الطاقة وضخ استثمارات كبيرة في البنية التحتية، رغم الاضطرابات الإقليمية، معتبرًا أن استمرار تنفيذ الإصلاحات خلال فترات عدم اليقين يمثل عاملًا مهمًا في تعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود.
واستشهد بمشروع الشركة المصرية للتكرير، الذي بدأ العمل عليه عام 2007 باستثمارات بلغت نحو 4.5 مليار دولار، قبل أن يتعرض للتعطل خلال أحداث الربيع العربي، لكنه استكمل حتى بدأ الإنتاج في عام 2019، ليسهم في إحلال جزء كبير من واردات المنتجات البترولية بإنتاج محلي.
وأشار إلى أن الأزمات حرمت المنطقة من تحقيق معدلات نمو واستثمار تتناسب مع إمكاناتها، لكنها في الوقت نفسه أسهمت في تعزيز مرونة عدد من الشركات المحلية والإقليمية، التي نجحت في التكيف والتوسع وتحويل أنشطتها من نطاق الأسواق الوطنية إلى أسواق إقليمية ودولية.
وفيما يتعلق بالتجارة والاستثمار العربي، أكد الخازندار أن هناك نموًا في حركة الاستثمار بين الدول العربية، لكنها لا تزال أقل كثيرًا من الإمكانات المتاحة، موضحًا أن الشركات والمستثمرين يواصلون التعامل عبر الحدود رغم العقبات التنظيمية، وليس بالضرورة نتيجة وجود أطر مؤسسية كافية لتشجيع هذا التعاون.
وشدد على أن نقص الأطر التنظيمية الإقليمية وضعف الالتزام الحكومي بإزالة معوقات التجارة والاستثمار يمثلان تحديًا أمام تعظيم الاستفادة من رؤوس الأموال العربية، داعيًا إلى تفعيل السوق المشتركة وتوسيع نطاق الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
ولفت الخازندار إلى أن أحد التحديات الرئيسية في قطاعي المياه والطاقة يتمثل في عدم تسعير الموارد بصورة تعكس تكلفتها الحقيقية، نتيجة الاعتماد التاريخي على الدعم، وهو ما يؤدي إلى ضعف كفاءة الاستخدام وزيادة معدلات الهدر، مشددًا على ضرورة تسعير السلع العامة، وفي مقدمتها المياه والكهرباء والمنتجات البترولية، بصورة عادلة وتدريجية، مع توفير شبكات أمان اجتماعي للفئات الأكثر احتياجًا، موضحًا أن استمرار تحميل الأجيال المقبلة تكلفة الدعم يمثل نموذجًا غير مستدام لإدارة الموارد.
وأكد أن تنفيذ مشروعات المياه والطاقة بحجم الاستثمارات المطلوبة لا يمكن أن يعتمد على الحكومات وحدها، وإنما يحتاج إلى حشد القطاع الخاص وتطوير شراكات تضمن تحقيق عوائد اقتصادية قابلة للاستدامة، حتى لو كانت هذه المشروعات تتطلب فترات طويلة لاسترداد الاستثمارات.
وفيما يتعلق بمراكز البيانات، أوضح الخازندار أن هذه المشروعات تستهلك كميات كبيرة من الطاقة وتحتاج إلى أنظمة تبريد، لكن طبيعة التشغيل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تختلف عن الدول التي تعتمد على المياه الباردة المتاحة بكميات كبيرة في أنظمة التبريد المفتوحة.
وأضاف أن مراكز البيانات في المنطقة يمكن أن تعتمد على أنظمة تبريد مغلقة تعيد تدوير المياه واستخدامها مرات متعددة، بما يحد من الفاقد المائي، وإن كانت هذه الأنظمة تتطلب استثمارات وتكاليف تشغيلية أعلى.
وأشار الخازندار إلى أن وفرة الطاقة الشمسية في المنطقة يمكن أن تمثل ميزة تنافسية لتشغيل مراكز البيانات، بشرط الاعتماد بصورة أساسية على مصادر الطاقة المتجددة، بدلًا من زيادة الاعتماد على الوقود الأحفوري.
ولفت إلى أن مصر حققت تقدمًا في أنشطة التعهيد وتطوير البرمجيات، لكن التطور السريع للذكاء الاصطناعي قد يؤثر على بعض الوظائف المرتبطة بالبرمجة الأساسية، ما يستدعي استعدادًا مبكرًا من الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني لوضع سياسات تتعامل مع التحولات المقبلة.
وفي ختام الجلسة، اتفق المتحدثون على أهمية الانتقال إلى سياسات أكثر استباقية في إدارة موارد المياه والطاقة، وتعزيز التعاون العربي، وتمكين القطاع الخاص من المشاركة في تمويل المشروعات الاستراتيجية.
وأكد بلحاج ضرورة ضمان استفادة الدول العربية من الاستثمارات في مراكز البيانات، وعدم الاكتفاء بتوفير الموارد الطبيعية والمواقع الجغرافية لهذه المشروعات دون بناء قيمة اقتصادية مضافة محليًا.
وشدد السعيد على أهمية تهيئة البيئة الاستثمارية وتشجيع رؤوس الأموال العربية على التوجه إلى المشروعات طويلة الأجل، مع تمكين القطاع الخاص من القيام بدور أكبر في تنفيذ مشروعات البنية التحتية.
وطرح الخازندار ثلاث توصيات رئيسية، تتمثل في الإسراع بتصحيح تسعير المياه والطاقة بصورة تدريجية، مع توفير شبكات الحماية الاجتماعية والتواصل مع المواطنين، والبدء في بناء نواة للسوق العربية المشتركة من خلال تعاون اقتصادي وتجاري أوسع بين مصر والسعودية، على أن تنضم إليها دول أخرى لاحقًا.
كما دعا إلى تشكيل فرق عمل على المستويين الوطني والعربي، تضم ممثلين عن الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، لوضع استراتيجيات للتعامل مع التحولات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على الاقتصادات وأسواق العمل.
دعوا إلى تعزيز التكامل الإقليمي العربي في مشروعات المياه والطاقة، وحشد الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتمكين القطاع الخاص من المشاركة في التمويل والتنفيذ
قال إن تخصيص نحو 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة للاستثمار في معالجة أزمات المياه يمكن أن يجنب اقتصادات المنطقة خسائر تصل إلى 14% من ناتجها المحلي الإجمالي
شدد المتحدثون على ضرورة تسعير الموارد والسلع العامة بصورة عادلة وتدريجية بما يعكس التكلفة الحقيقية، مع توفير شبكات أمان اجتماعي للفئات الأكثر احتياجًا


