النبش لغة أصله الحفر واستخراج ما تحت الأرض، لكن نبش القبور كانت مهنة قديمة ضمن فنون اللصوصية، يتخصص أصحابها في انتظار انصراف مشيوعو الجنازات من المقابر النائية بعد انتهاء مراسم الدفن، ثم يهجم النباش على القبر يفتحه ويتسلل داخله، بهدف سرقة كفن الميت وبيعه، ومن أشر وأسوأ أنواع النباشين فئة لم يكن يهمها فقط سرقة الأكفان بقدر ما كان يهمها سرقة جثث الموتى للمتاجرة بها لمن يدفع أكثر.
لكن هنا صنف من هؤلاء النباشين في عصرنا الحالي لم يتخصصوا فقط في نبش القبور وسرقة ما فيها من أكفان وجثامين، بل تخصصوا فيما هو أسوأ من أكل لحم الموتى، وهو فعل خبيث ضرب الله به مثلا في كتابه الكريم؛ تنفيرًا للمؤمنين من بعض صفات هؤلاء القوم البهت الذين لا هم لهم سوى البحث في جثث التاريخ والنبش في صفحاته من أجل العثور عما يؤيد دوافعهم الخبيثة، لا يعترفون بأمانة البحث العلمي ولا يحترمون الثوابت التاريخية.
لا تمر مناسبة وطنية، ولا تهب ذِكرى ملحمة تاريخية على مصر، إلا وتخرج علينا هؤلاء الكائنات من تحت رماد الإحباط، وكأنها وُكلت بمهمة مقدسة عنوانها: “تكدر صفو المزاج العام بأي ثمن”. هم ليسوا مجرد معارضين سياسيين، ولا باحثين عن الحقيقة بموضوعية، بل هم “نباشو القبور”؛ أشخاص تخصصوا في نبش الرمم الفكرية وتفتيش الدفاتر البالية، لا لشيء سوى لعلهم يجدون عظمًا نخرًا يريدون إقناعنا بأنه هيكل عظمي لأسطورة وطنية تموت.
ما إن يطل علينا شهر الانتصارات أكتوبر من كل عام، منذ أكثر من نصف قرن. ينشط هؤلاء النباشون وكأنهم أقسموا بأغلظ الأيمان أن يحيلوا كل بهجة نصر إلى مأتم معنوي. يطلون علينا بووجوه ملؤها العبوس، ليخبرونا بكل ثقة أن ما تعلمناه في المدارس، وما شعرنا به من عزة في طفولتنا، وما رواه لنا آباؤنا عن عبور خط بارليف، لم يكن سوى فيلم هندي من إنتاج الشؤون المعنوية للقوات المسلحة في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات ورثه منها من جاءوا بعده إلى الآن، وأننا في الواقع تلقينا هزيمة نكراء جعلت “إسرائيل” تشرب الشاي في قصر الاتحادية لولا أنهم يفضلون الاسترخاء في شبه جزيرة سيناء دون أن يراهم أحد أو يشعر بهم غير المؤمنين بدعوة الإخوان وأذيالهم.
لا يتوقف أداؤهم عند حد إنكار الظاهر، أو المعلوم من الواقع والتاريخ بالضرورة، بل تتطور إلى فن “القص واللصق التاريخي”. فتراهم ينقبون في تفاصيل الخلافات السياسية والعسكرية بين الرئيس السادات والفريق سعد الدين الشاذلي، ليخرجوا لنا بنظرية مؤامرة كونية مفادها أن النصر كان “سهوًا” أو مجرد “خديعة كبرى”. وكأن الخلافات بين القادة في أوقات الحرب والسلم هي بدعة مصرية خالصة، وليست سمة لكل جيوش الأرض حين تتقاطع الرؤى الاستراتيجية. المهم عندهم دائمًا هو: كيف ننزع من قلوب المصريين أي إحساس بالفخر؟ كيف نثبت لهم أنهم شعوب بلا تاريخ، وبلا بطولات، وبلا كرامة؟
ومن صفات هؤلاء النباشين أيضًا أنهم لا يستطيعون الحياة في بيئة نقية، كما تفعل قراميط المجاري أعزكم الله، فمن يعرفها يدرك أنها تعيش وتتغذى وتتكاثر في أحلِك وأقذر البيئات، ولا تعرف طعمًا للحياة الطيبة أو المياه النقية. هكذا هم تمامًا؛ لا يستطيعون العيش، ولا ينتعشون، إلا في مستنقعات التشاؤم والقاذورات النفسية. لو أنك جلست أمام أحدهم وسردت له قائمة إنجازات تمتد من الأرض إلى السماء، لترك كل ذلك جانبًا وأمسك بعدسة مكبرة ليفتش عن “طوبة مائلة” في رصيف، أو “عثرة بسيطة” في تفصيلة، ليتخذ منها دليلًا قاطعًا على أن البلد ذاهب إلى الهاوية، وأن لا حياة لمن تنادي وكما قال الشاعر كل يرى بعين طبعه فلا يرون جمالًا ولا نعيمًا في الدنيا ويريدون أن ينقلوا ذلك الإحساس إلى المواطن.
لماذا يفعلون ذلك؟ السؤال ليس لغزًا محيرًا. فالتشكيك المنهجي والتحطيم النفسي المستمر هما رأس مال هذه الجماعات والتيارات المتأثرة بفكر الإخوان ومنهجهم. هم يدركون تمام الإدراك أن الشعب الذي يفقد فخره بتاريخه، ويشكك في ملاحمه الكبرى، ويصاب بالهزيمة النفسية المقيتة، هو شعب يسهل استقطابه، ويسهل قيادته نحو العدم. فاقد الثقة لا ينتج، ومنزوع الكرامة الوطنية لا يدافع. لذلك تجدهم يحاربون أي بارقة أمل، وكأن بضاعتهم الكاسدة ستنفق لو أن المصريين تكاتفوا وابتسموا واعتزوا بوطنهم.
يخيل إليك وأنت تتابع خطاباتهم أنهم ورثة التاريخ الناطقون باسمه، بينما هم في الواقع ليسوا سوى “نباشين” يبحثون في مكبات النفايات عن بقايا عظام ليصنعوا منها كائنات أسطورية مثل أبي رجل مسلوخة أو المارد يخيفون به الكبار والصغار ويستغلون تلك الصورة في رسم مستقبل أسود أمام المجتمع طالما هم ليسوا في السلطة. يزعجهم أن يرى المصريون أنفسهم أصحاب إنجاز، أو أن يشعروا بأن تضحيات الأجيال السابقة لم تذهب هباءً.
ولكن، لكي نكون منصفين، فإن “نباشي القبور” وقراميط المجاري يمارسون عملًا متوقعًا بطبيعته؛ فالطبع يغلب التطبع، والغراب لا يُخرج طاووسًا. الخلل الحقيقي ليس في صياحهم المستمر وبضاعتهم المزجاة، بل فينا نحن إذا استمعنا لهم أو أعرناهم انتباهًا. فالتاريخ لا يصنعه المتباكون على عتبات المستنقعات، ولا يمحوه المرتزقة الذين يعتاشون على تدمير المعنويات.
إن حرب أكتوبر، وسائر محطات العزة المصرية، باقية في وجدان الأمة كالشموخ، لا تنال منها ريح عابرة، ولا ينقص من قدرها نباح هؤلاء العابرين في قارعة التاريخ. ودعونا نتركهم في بركهم الآسنة يسبحون كيفما شاءوا، فالمياه الجارية وحدها هي التي تحرك الطواحين وتبني الحضارات، بينما تبقى القراميط.. في قاع المجاري حيث تقبع أصولها.
يناقش المقال هجوم الكاتب على من يشككون في حرب أكتوبر ومحطات العزة المصرية، ويصفهم بأنهم ينبشون التاريخ بهدف التحطيم النفسي والتشكيك المنهجي.
لأن الكاتب يقول إن هؤلاء ينشطون مع كل ذكرى لانتصارات أكتوبر ويحاولون تحويل بهجة النصر إلى حالة تشكيك ومأتم معنوي عبر إنكار ما تعلمه المصريون عن العبور والنصر.
استخدمه الكاتب لوصف أشخاص لا يعيشون إلا في بيئات التشاؤم والقاذورات النفسية، ويبحثون دائمًا عن السلبيات والتفاصيل المعيبة لإفساد الشعور العام.


